السبت، 21 أكتوبر 2017

صورة

صديقي قبل عدة أيام حكالي: أسامة انت الأغاني عندك زي ألبوم الصور. قصده أن الأغاني عندي مخزن ذكريات مثل ألبوم الصور، وهو للأسف تعب مني وتعب من عدم قدرتي على مجاراته في أي لون موسيقي بيحاول يشاركني الاستماع له في الفترة الماضية .. لدرجة إني صرت أطلب منه يغلق فيروز لما يشغل لها أغنية على جواله، بلاش فيروز، بلاش أم كلثوم، بلاش كاظم، بلاش أي حد في الدنيا الله لا يسيئك. طيب شو بدك تسمع يعني يا عرص؟ يسأل وما بعرف أجاوبه.



أحيانا بتصيبني حالات من "الوجد" أثناء السماع .. مش قاعد بقول إني بـ(أتصفون) لا سمح الله .. لكن هي لحظات عابرة من القشعريرة الباردة وكأن غلاف من الثلج يبطن أسفل جلدي على حين غرة، بتروح هاي القشعريرة وبتحل مكانها لحظات من السكون والألم والوجع ممكن تمتد لفترة طويلة، صديقي اللي بيشاركني جزء من يومي وبعض السماع أحياناً أنا بحبه بالرغم من كل بضانه وما بيهون علي أسببله كل هالاكتئاب الناتج عن شلال الذكريات المترافق مع الموسيقى اللي بسمعها وأنقله كل هالطاقة السلبية، بس ما بقدر .. أحيانا بلاقي نفس "غارق" بدون حد في الحزن .. ما في أحد بيستمتع بالغرق .. الغرق مش فعل اختياري ولا أنت بتغرق بشكل تطوعي في الدوامة الزرقاء .. انت بتحاول بكل ما أوتيت من قوة تنتزع نفسك من هالدوامة بس على الفاضي .. وبالرغم من كل ذلك، بتلاقي أحياناً نفسك غارق في شيء لا يمكن شرحه أثناء السماع حتى لو كنت بتسمع "صورة" بتتعرف عليها لأول مرة، مش موجودة في ألبومك من قبل .. مثلاً قبل يومين كنا جالسين مع بعض وبنسمع تسجيل لنور الهدى لأغنية (يا جارة الوادي) أكابيلا .. بتغني وبتسرح الست ألكساندرا وبتقعد تبلطج وبتثير في أجسادنا القشعريرة بدون أي اعتبار لحقوقنا كبشر .. في لحظة ما .. نور الهدى صدر عنها صوت ما بيحاول يعبر عن مفردة باللغة العربية مشتقة من الجذر (ع ط ل) .. بتقول (وتعطلت)، بتكررها وبترجع تقول (لغة الكلام) ... بتقول (وتعطلت لغة الكلام) .. ألقيت نظرة على صديقي ولقيته دافن وجهه بين كفتيه وعلى وشك يبكي، مش حزناً على شيء .. هو فقط عاجر عن مواجهة البلطجة والافتراء المحض والقدرات الجبارة الموجودة في هاي الثواني القليلة اللي شرحت فيها السيدة ألكساندرا بدران بصوتها الملائكي الشيطاني الفردوسي الجهنمي مجاز السيد أحمد شوقي عندما أراد التعبير عن عجز الكلام، كلغة، على الإتيان بما في النفس من إحساس وشعور. قشعريرة، فقط.

صورة: قبل عدة أسابيع كنت بالسيارة مع أبي، لأول مرة منذ فترة طويلة اجرؤ وأطلب منه تشغيل السي دي الوحيد اللي بالسيارة (السي دي عبارة عن تشكيلة منوعات لكاظم الساهر)، منذ وفاة أمي ولم يعمل السي دي نهائياً، أعلم أن فيه أغنية وهي (سلمتك بيد الله) وهو يكره سماعها لأنها، أي أمي، كانت تكثر من سماعها قبل وفاتها بشكل كبير، كنت أتذكرها جيداً، كانت تشغل الأغنية خصيصا له، أبي، تقول له (يا ظالم لا ترحم) وكان يبتلع رسائلها ولا يرد، تحاشيت تشغيل سلمتك بيد الله ووجدتني وصلت أثناء تقليبي في أغاني السي دي إلى أغنية أشكيك لمين (كلمات عبد الوهاب محمد وألحان كاظم نفسه) ، وبعد دقيقتين قال أبي: هاي كانت آخر أغنية أمك سمعتها قبل ما تموت.

صمت، كاظم لا يزال يردد (وان كان ضميرك نفسه ما بيقدر عليك .. أشكيك لمين؟) .. استطرد أبي: لما رجعنا من النصيرات من عند دار خالتك، بنفس اليوم اللي "وقعت" فيه، كانت هاي الاغنية شغالة بالسيارة وكانت هاي آخر أغنية أمك سمعتها.
أشكيك لمين تحولت إلى صورة، أمي جالسة بالمقعد الأمامي من السيارة وتحدق بعينيها الضعيفتين إلى العدم المظلم وتستمع إلى كاظم يغني بلهجة مصرية ثقيلة أغنية للشكوى والعجز والألم الدفين. كانت روحها هادئة بعد الكثير من الضحك في بيت أختها في النصيرات، لأول مرة منذ شهور عصيبة، بعد 4 أو 5 ساعات فقط ستسقط على الأرض بسبب نزيف حاد بالدماغ، وبعدها بعدة ساعات أيضاً ستفقد الوعي تماما، وبعدها بعدة أيام ستموت .. لم تكن تعرف شيئاً .. كانت تتسائل فقط .. تشكيه لمين؟

الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

صخرة

سطع نورها بحلته الإلهية وأضاء صفحة الماء المتموج الصاخب الضارب على حافة الشاطئ بعنف، كانت تستقر في كبد السماء عملاقة كما لم تكن من قبل، يشع نورها كما لم يشع من قبل، قررت في تلك الليلة أن تقتصد فيما ستمنحه لابنها الشمس من ضياء في الغد وتمارس هواية تركتها منذ دهور طويلة وتناظر وجوه بناتها الهائمات على وجه البسيطة وتتعرف على ملامحهن من جديد، كانت الأمواج تشعر بها وكانت تحاول مهاجمتها كما حاولت منذ أزمان سحيقة، تتبعها أينما حلت وتثور ضدها أينما وقفت شامخة في أي جزء من السماء، اعتادت هي على هذه المشاغبات ولم تعد تلحظها ولم تعد تلقي لها بالاً غفلت أذنها الصانتة العليمة عن صخب الموج وهيجانه واصخت السمع لتنهيدات بناتها الضائعات في دنيا احتلها الرجال، وتفحصت عيناها وجوههن، وأغدقت على قلوبهن من ضيائها بسخاء. 

ارتسمت على شفتيها ابتسامة عندما رأت تلك الفتاة تمشي بقدميها الحافيتين على رمال الشاطئ الذهبية مرتدية فستاناً وردي اللون وقد جمعت شعرها في ظفيرة واحدة خلف رأسها وانسلت منها خصلة واحدة غطت عينها اليمنى حيناً وتطايرت إلى الخلف بفعل هبوب الريح حينا آخر، انسدل ذراعاها على جانبي جسدها كشلالين من ضياء، حدقت الفتاة ملياً في تلك الصخرة الصامدة على الشاطئ في قلب الموج وحدقت بالأمواج التي تتكسر عليها بصخب دون أن تمسها بأذى أو تزحزها من مكانها، رأتها الأم وهي تتقدم ناحية الموج بخطى ثابتة، ازداد ضيائها في كبد السماء وأرخت ابتسامتها فرحاً وسعادة على قلوب بناتها، نوراً على نور.

علمت الأم السماوية أنها وجدت ما تبحث عنه في هذه الليلة، اتخذت قرارها سريعاً وهبطت .. انسلت إلى قلب ابنتها حافية القدمين وغمرت جسدها بنورها الإلهي وعانقت روحها في لطف وهدوء قبل أن تمس قدماها الماء .. أحست ابنتها بها وكادت تطير، وأقسمت الابنة فيما بعد لنفسها أن أصابع قدميها قد تركتا رمل الشاطئ وارتفعتا بها إلى السماء لوهلة، ابتسمت الفتاة واغرورقت عيناها بالدموع، حان على محيا الأم ابتسام عابس يشي بملامة لذيذة، كانت تعلم أنها دموع فرحة وهمست في ثنايا أذني ابنتها أن لا خوف عليها ولا حزن، لقد وصلت أخيراً .. ولا داعي للدموع.

شجعتها لتتقدم من الموج وتتابع مسيرها نحوه، تقدمت .. بهدوء وثبات .. وصلت الماء، خاضت غماره بخطوات بطيئة وابتسامة واثقة ترتسم على شفتيها، غمر الماء قدميها وبلل فستانها الوردي ولكنها لم تهتم، سمعت صوت أمها يهمس لها: ها هي تتكسر على قدميك .. تماماً كما تتكسر على تلك الصخرة.

لقد تعبت

جذوة النار هادئة منذ زمن، لكنها الآن تستعر، أضطر للتعامل مع الحريق في قلبي ولأسفي الشديد فإن خلاصي هو في تحول كل شيء إلى رماد، الرماد لا يحترق، الرماد لا تؤذيه النار، وأنا النار تلهبني ولا أدري كيف أطفئها، وهل تخبو نارٌ كانت دماء القلوب وقودها ومثار استعارها!؟ لا تخبو. أحرقوني .. أحيلوني رماداً .. لقد تعبت.

الجمعة، 8 سبتمبر 2017

143 يوم بدون وائل

لن نعرف أبداً رأي وائل بفيلم دنكيرك ولا بموسيقى هانز زيمر التصويرية للفيلم، لن نعرف أبداً تعليقه على التجربة الصاروخية الكورية الشمالية فوق اليابان ولا على امتلاك كوريا الشمالية لقنابل هيدروجينية، لن نرى تغريدة له تتحدث عن قيادة الوالد الكيصر عمر سليمان للنيزك متجها إلى الأرظ، لن نعرف تعليقه على وصول دنيريس تارجاريان أخيراً لويستروس وهزائمها أمام جيوش لانسترز وأخطاء الإخراج التعيسة في معركة ما خلف الجدار، ولن نسمع منه تعليقا متهكما على آريا ستارك وحماقة أهل الشمال، وغدرهم باللورد بايلش الذي أنقذهم في معركة النغلين، لن ننفجر ضحكا بسبب نكتة سيلقيها وائل على مشهد مضاجعة جون سنو، إيغون تارجاريان، لعمته كاليسي، لن نجد من يهتم بأعاصير الكاريبي ويشرح لنا موجزا عن مساراتها وسرعتها وخطورتها وخطوط سيرها المتوقعة وخسائرها، ولا عن زلزال المكسيك الأخير مصحوباً بتحليل جيولوجي لطبيعة الصفائح التكتونية في أمريكا الشمالية، لن نعرف رأيه في اللجنة الإدارية التي تقود قطاع غزة، ولن نسمعه يتحدث عن مؤتمر يحيى السنوار الأخير الذي أبدى فيه استعدادا لعودة العلاقات مع سورية، لن نرى شتائمه على الليبراليين المصريين الذين استنكروا عملية عمر العبد في حلميش ولا الشمينت الذين استنكروا عملية أبناء عائلة جبارين في القدس، لن نرى حسابه على تويتر ينشر (كس أم أبو مازن) بعد الآن ولن نراه ينشر صورة جديدة لوسيم مفلترة عبر تطبيق سناب شات.

وائل غير موجود منذ 143 يوم، وائل مات.

الخميس، 7 سبتمبر 2017

أنا خائف، فلتقترب.

أنا بجانبك الآن وها أنا أغرق، كيف لا تراني أغرق؟ ألست تغرق معي بذات الماء؟

 أنا أناديك يا أخي، أنا بجانبك الآن وها أنا أناديك، كيف لا تسمعني؟ ألأنني أختنق؟

أنا لوحدي يا أخي، أنت لا تعرف، لا ترى ولا تسمع ولكنني لوحدي، أناديك وأنظر في أعماق عينيك وأنت لا ترى ولا تسمع يا أخي، أنا لوحدي.

 هاك يدي يا أخي، أنا أسقط، انتشلني، لست أرى إلا يديك وهما بعيدتان، فلتقترب، اقترب يا أخي.

هناك قلق دائم لا يهدأ حتى بالكتابة، يستثيره اللاشيء إطلاقاً، مجهول لا علم لأي كائن به، أريد لهذا القلق أن ينتهي ولكنه لا ينتهي، إنه يزداد، دوماً يزداد.

حبيبتي، أعلم أنكِ متعبة، أنا متعب مثلك، ومتعب بسبب تعبك هذا الذي لا يريد أن ينتهي، هل تخافين؟ أنا ارتعب، أعيش الآن في رعب ولا أدري كيف سأتخلص منه؟ إنهم حولي خائفون وأنتِ خائفة وأنا خائف، خوف من كل صوت، خوف كسهام لا ترحم، تمزق الصدور والقلوب، خوف سيبتلعنا.

لم أبلغ خط النهاية بعد، لست أدري كيف سأبلغه ولكنه قريب، وأشعر باقترابه في كل لحظة تمر، ومع كل شهيق وزفير عبثيان أراه بعين الخيال يقترب أكثر وأكثر، وعدت الكثيرين ألا أركض نحوه ولكن ذلك لا يمنع اقترابه، إنه ليس بعيداً يا حمقى، لقد نال مني أربعة مرات من قبل ولم أكن أركض نحوه بل كنت أركض هرباً منه.

أمي، هناك خوف دائم لا يهدأ يا أمي حتى باستذكارك، أدعوكِ وأصلي لكِ، ولست أرى منك شيئاً، تتركينني فريسة الألم وإن نظرتِ لي يوماً تركتيني متألماً أكثر مما كنت، أعرف أنكِ حمقاء، أدركت ذلك منذ زمن وتصالحت معه، ربتي حمقاء وهذه علة لا دواء لها، اتركي الألم كما تشائين واغرسي أصابعك في لحمي وافصليه عن عظامي حتى يُشبعكِ الرضى، لكن خذي مني الخوف، أنا خائف ومتألم معاً في آن .. أمي .. هذا أمر لا أقدر عليه.

الخميس، 10 أغسطس 2017

محاولة لتفسير امتلاك الحياة للمعنى في بعض الأحيان أو لماذا أحب نور الدين العايدي

سألني أكثر من شخص عن السبب الذي يجعلنا، نور الدين العايدي وأنا، نحب بعضنا البعض بهذه الصورة، من هو نور الدين العايدي؟ أحا يا رجل إن لم تكن تعرفه فأنت لا تعرفني، وإن كنت لا تعرفني فلا تقرأ هذه السطور فالأمر لا يعنيك أصلاً، أصلاً أصلاطن هذه السطور مكتوبة لنور فقط وإن كنت تقرأها فهذا لأنه قرر مشاركتها معك.

لنعد للمهم، لماذا أحب نور العايدي؟ ولماذا أسميه (نور الحياة)؟ ولماذا أراه مهجة لهذه الروح وبهجة لهذه النفس؟ هناك عشرات الأسباب يدعمها عشرات المواقف يمكن أن تشكل عشرات الحجج المنطقية التي تفسر كلها لماذا أحب هذا النور ولماذا يحتل من القلب كل هذا المكان ويملك كل هذه المكانة، ولكن ما الفائدة من سرد هذه الاسباب والمواقف وما الداعي لإقناعك أو إقناع أي شخص بأي حجج أو تفسيرات؟ ما أظنني سبرت أغوار نفس الإنسان وعرفت كل ما يمكن أن يعتمل في قلبه من مشاعر، لكن أملك من الثقة ما يجعلني أجزم بأن ما أحمله لنور ما حمله شخص لشخص من قبل قط، وما أظن أني سأحمله لأي إنسان آخر على الإطلاق.

لكن، ولأن هذه ليلة جميلة من ليالي هذا الصيف اللعين، والكهرباء غير مقطوعة ومزاجي رائق ورقبتي لا تؤلمني كثيراً على غير العادة، دعني أذكر لك سببين فقط، لربما كانا كافيين لتفهم (لماذا تمتلك الحياة معنى في بعض الأحيان؟) أو إجابة على سؤال (لماذا أحب نور الدين العايدي؟).

قبل نور الحياة، كنت أنا أصغر إخوتي، بعد نور أصبحت - لأول مرة في حياتي - أخاً كبيراً لأحد ما، وليس الأمر كما يمكن أن تفهمه باستحضارك فوراً للتابو الاجتماعي الخاص بمفهوم الأخ الأكبر، ولا علاقة للأمر بفارق السن، ولا بما نتبادله، نور وأنا، بجوار محبتنا العظيمة لبعضنا البعض، من احترام فائق من كل منا لكل تفاصيل الآخر. الأمر منوط بثقة مفرطة حد الإطلاق بأن هذا المرء يحبك بكل تفاصيلك وبدون أي شروط، وعندما تستحضر كل ما فيك من عيوب وانتقاصات وتتأكد من أنه يعرفها جميعاً ويدركها تمام الإدراك ولا يغض الطرف عنها بل يتقبلها ويتقبلك بها دون أي محاولة منه لتغييرها ودون أن تغير اكتشافاته لهذه العيوب ولهذه الانتقاصات من نظرته لك ومن حبه الذي يحمله في قلبه تجاهك والذي يظل على الدوام غير منقوص ولا مشروط.

ألا يكفي لأن يجعل ذلك من نور، نوراً للحياة؟

إن كان لا يكفي فأسشاركك - وأشارك لأول مرة، حتى نور نفسه - هذه القصة. في السادس عشر من أبريل عام 2015 فقدت قدماي الأرض وفقدت رئتي الهواء، أفل الشمس وأفلت القمر وأسودت عيناي ومادت بي خطواتي وضاق صدري على قلبي حتى كدت أموت، بل لقد تمنيت الموت ولم أدرِ كيف أدركه، كانت الموجودات تتلاشى من أمام ناظري، ولا أرى سوى وجه أمي مغلق العينين وجسدها المسجى مكفناً بالقطن الأبيض والسماء من فوقي تهبط كجاثوم سيسحقني تحته في أية لحظة، كنت أجلس مفترشاً العدم والنعش الخشبي أمامي والسماء تهوي على رأسي بلا هوداة، عندما كنت في تلك اللحظة أغرق، كانت يدا نور، أول يدين أراهما على الإطلاق، أرى واحدة منهما تمتد لتلتقطني وتنتشلني، وأرى الثانية ترتفع لتسند السماء وتمنعها من أن تهوي فوق رأسي في آخر لحظة. لست أدري أيجوز لي أن أسميه "حظَّا" ؟ لكني، في تلك اللحظة بالذات، وفي خضم انزلاق روحي في نهر من الفقدان تياره لا يرحم، كنت محظوظاً لأن أخي الصغير .. نور الحياة .. كان بجانبي.

أحبك يا نور .. أحبك يا أخي الصغير .. أنت نور حياتي .. وأنا محظوظ لأن في حياتي مثل هذا النور.

السبت، 22 أبريل 2017

عن وائـــل

روساليندا الجميلة، الأقحوانة المضيئة كقمر مكتمل، الصلدة الحنون كجدتها إزميرالدا، لقد قطعت جدتكِ على نفسها وعداً أن تكوني بخير، لست أدري الآن هل وفت بوعدها أم لا؟ طمأنيني أرجوكِ.

بعدما قابلته أول مرة، لو سُئلت يومها عن انطباعي العام عن هذا الرجل لكانت أول كلمة تخرج من فمي وقتها واصفةً إياه: دمه خفيف على الواقع مثل ما توقعت .. كثير بيضحك.

في تلك اللحظة بالذات كان قد تلقى خبراً ملعوناً، الخبر الملعون الثاني خلال شهور قليلة، هناك احتمال بإصابته بسرطان الكبد. لم استطع زيارته بعد عودته من القدس قبل حوالي الشهر، لقد عاد وبدأ يسترد عافيته ويقضي فترة نقاهته، زار المستشفى في غزة لإجراء بعض الفحوصات، أحدها، صورة بالأشعة فوق الصوتية لمنطقة البطن تبين وجود كتلة على الكبد، وحمة أو Lesion كما يوضح التقرير، عندما اتصلت به وأخبرني أنه بالمستشفى وأن بإمكاني زيارته هناك لم أتوقع أبداً أن تكون زيارتي الأولى له ومقابلتي الأولى معه بعد عشرة دقائق فقط من تلقيه خبراً يفيد باحتمالية إصابته بسرطان جديد .. لكنه، وبالرغم من ذلك، كان يضحك.

نادراً ما يحدث ذلك، أن يُشخص مريض بسرطان في عضو معين ويخضع للعلاج منه ويُشفى منه بالكامل بعد جراحة معقدة وفترة نقاهة مرهقة ثم وقبل أقل من عدة ساعات على إعلان شفائه تماماً منه يُنبَّأ بالاصابة بسرطان جديد في عضو مختلف كلياً، ليس أن السرطان انتشر من العضو الأول إلى الثاني، لا، لقد نشأ السرطان في كلا العضوين بشكل منفصل عن الآخر. لا أدري شيئاً بخصوص الإحصائيات الطبية، ولا أعلم شيئاً عن عدد الذين أصيبوا بالمرض بطريقة مشابهة في أماكن أخرى من العالم، لكن ما أعلمه أن هذا المرض اللعين كان قادراً على اختيار الشكل الانسب لخوض معركته ضد وائل ليقهر مقاتلاً شرساً مثله، لا أحد، حتى وائل عودة، يستطيع النجاة من هكذا عدو يقاتل على جبهتين.

لا تقرأ "1984" إلا بنصها الأصلي بالانجليزية، من سوء الحظ أن هانز زيمر ينتمي للجنس البشري، هو أفصل من ذلك، سيناء فلسطينية وكذلك جزيرتي تيران وصنافير، كسم السيسي، مواليد برج العقرب مخيفون، لا تعارض بين دعم المثلية الجنسية وشواطئ العراة كحق طبيعي وبين اعتبار أن الزوجة والسيارة يمتلكان الكثير من القواسم المشتركة، كس ام أبو مازن، شجرة سرو محترقة في حيفا أكثر فائدة للوطن من حنين زعبي، الـ screenshoters مثيرون للقلق، فيلم Arrival سيء وفيلم Hacksaw ridge متواضع المستوى وأفلام كوينتين تارنتينو ممتازة، التاريخ المكتوب مُغالى في تقديره، لا يُنصح بتناول الزانكس والفاليوم مع بعضهما البعض، عادل المشوخي أسطورة ولكرتونته سر باتع، إزميرالدا حنون كبقرة وصلدة كخنزير، أليخاندرو خائن والفلامنكيون غزاة ملاعين.

صباح الحادي والعشرين من يناير استيقظت في وفمي منفرج عن ابتسامة عريضة، ("كأن أحد علَّق حامل ملابس في فمي")، كان وائل قد بدأ رحلة معاناته مع العلاج الكيماوي منذ فترة ليست بالهينة، وكانت أحاديثنا المقولبة كإكليشيهات نصوص المسلسلات المكسيكية المدبلجة قد كثرت وتضحكني كلما استذكرتها، عندما بدأت بتسمية نفسي باسم ألكزاندر، أصر وائل على نطقه وكتابته دوماً بصيغته اللاتينية، أليخاندرو، ويبدو أن مقايضة صامتة حدثت بيننا، إذ تخليت عن "ألكزاندر" وقبل هو بتسميته بروساليندا، نوساليندا الصديقة الغالية والعزيزة لأليخاندرو وروساليندا كانت تشاركنا الحديث دائماً، ليس كذلك فحسب، اخترع كلانا جدَّة لروساليندا، هي إزميرالدا، عجوز عصامية تملك ضيعة في الريف المكسيكي ولديها قطيع من الأبقار والخنازير المدجنة وتعد التاكو لحبيب حفيدتها أليخاندرو مع الكثير من الهاليبينو ليقضي معظم لياليه معها مصاباً بتسمم غذائي، في صباح الحادي والعشرين من يناير كانت إزميرالدا طيبة مع أليخاندرو لأول مرة، لقد زارته في المنام، كانت وجهاً غير واضح المعالم، لكنها كانت حقيقة يكاد أليخاندرو يلمسها بيديه، تتكلم معه بعربية فصيحة مضحكة كعربية المسلسلات المكسيكية، قالت لأليخاندرو الكثير وظلت في رأسه لساعات، نسي أليخاندرو كل شيء قالته له، إلا جملة واحدة فقط: "أنا إزميرالدا جدة روساليندا، أخبره أنه سيكون بخير,". في الثامن عشر من أبريل توفي وائل، روساليندا، الأقحوانة البيضاء، الجميلة كقمر مكتمل.

هناك الكثير من الفراغ. أنا أغرق في سواد كقطعة من الفضاء لم يدخلها ضوء نجم من قبل، هناك أصرخ، لا أحد يسمعني.

لم يكن شيئاً معتاداً، ذاك الذي حدث بيني وبين وائل عودة، لقد كانت غالبية فترات صداقتنا افتراضية تماما، أشهر طويلة قضيناها نتحدث مع بعضنا كل يوم عشرات المرات، فقط عبر منصة تويتر، دون أن يعرف أحدنا عنوان الآخر أو رقم هاتفه، دون أن يخطر ببال أي منا أن يطلب مقابلة الآخر، أجزم أنه قد عرف عني أكثر مما يعرفه أخي، وقد احتل في قلبي مكاناً لم أمنح مثيله لصديق قط، سوى واحد أو اثنين، كان الصديق الذي يفهم معنى كلامي دون أن أفسره، الذي يكمل جملي ويقرأ أفكاري قبل أن أبوح بها، الذي يشاركني الاستمتاع بالموسيقى الجميلة والأفلام الجيدة والكتب الممتازة، المثقف الذي يدهشني باطلاعه وسعة أفقه وألمعيته الدائمة، الجريء الذي يقول دوماً ما يخاف الآخرون من مجرد التفكير فيه، المرح الساخر الذي كان يضحكك دوماً مهما كانت الحياة تثقل روحك، الذي أعرف أنه أحبني رغم أنه كره برج العقرب ومواليده، الذي لم ينقد يوماً مع تيار ولم يخف يوماً من السباحة ضده. لقد كان وائل أخي الأكبر الذي لم تلده أمي، وإن كان أخي الأكبر سيغضب - ربما - إن قرأ ما أقوله لكنه بدون شك الحقيقة، وائل كان  المقاتل الشرس الذي حارب من أجل عائلته حتى آخر ذرة هواء استنشقتها رئتاه، والذي بقي في هذه المعركة وحيداً بلا أي نصير سوى دواء سام سقيم يقتله بذات السيف الذي يقتل فيه سرطانه.

صديقي، أخي، حبيبي، ضياء عيني، وائل، سأراهن على إزميرالدا وسأضع ثقتي بها، أثق أنك الآن بخير كما أخبرتني أنك ستكون، وأن روحك في عالم آخر تنعم بالسلام، أو ربما ستعود يوماً ما في حياة أخرى، كملحن مبدع كهانز زيمر أو رامين جوَّادي وستحصل على الأوسكار عدة مرات، أو ربما كعضو في فريق إعداد الأفلام الوثائقية عن تحقيقات الكوارث الجوية في شبكة National Geographic ، أو - وهذا ما أفضله لو كنت مكانك - كروائي عظيم جورج أوريل. ستغادر روحي هذا العالم أيضاً في يوم ما، وأمرها ومصيرها في علم الغيب، لكن إن كان الغيب يحمل لروحي وروحك عودةً أو خلوداً، فأملي أن تلتقيا مرة أخرى، سأعيش على هذا الأمل.