صديقي
قبل عدة أيام حكالي: أسامة انت الأغاني عندك زي ألبوم الصور. قصده أن
الأغاني عندي مخزن ذكريات مثل ألبوم الصور، وهو للأسف تعب مني وتعب من عدم
قدرتي على مجاراته في أي لون موسيقي بيحاول يشاركني الاستماع له في الفترة
الماضية .. لدرجة إني صرت أطلب منه يغلق فيروز لما يشغل لها أغنية على
جواله، بلاش فيروز، بلاش أم كلثوم، بلاش كاظم، بلاش أي حد في الدنيا الله
لا يسيئك. طيب شو بدك تسمع يعني يا عرص؟ يسأل وما بعرف أجاوبه.
أحيانا بتصيبني حالات من "الوجد" أثناء السماع .. مش قاعد بقول إني بـ(أتصفون) لا سمح الله .. لكن هي لحظات عابرة من القشعريرة الباردة وكأن غلاف من الثلج يبطن أسفل جلدي على حين غرة، بتروح هاي القشعريرة وبتحل مكانها لحظات من السكون والألم والوجع ممكن تمتد لفترة طويلة، صديقي اللي بيشاركني جزء من يومي وبعض السماع أحياناً أنا بحبه بالرغم من كل بضانه وما بيهون علي أسببله كل هالاكتئاب الناتج عن شلال الذكريات المترافق مع الموسيقى اللي بسمعها وأنقله كل هالطاقة السلبية، بس ما بقدر .. أحيانا بلاقي نفس "غارق" بدون حد في الحزن .. ما في أحد بيستمتع بالغرق .. الغرق مش فعل اختياري ولا أنت بتغرق بشكل تطوعي في الدوامة الزرقاء .. انت بتحاول بكل ما أوتيت من قوة تنتزع نفسك من هالدوامة بس على الفاضي .. وبالرغم من كل ذلك، بتلاقي أحياناً نفسك غارق في شيء لا يمكن شرحه أثناء السماع حتى لو كنت بتسمع "صورة" بتتعرف عليها لأول مرة، مش موجودة في ألبومك من قبل .. مثلاً قبل يومين كنا جالسين مع بعض وبنسمع تسجيل لنور الهدى لأغنية (يا جارة الوادي) أكابيلا .. بتغني وبتسرح الست ألكساندرا وبتقعد تبلطج وبتثير في أجسادنا القشعريرة بدون أي اعتبار لحقوقنا كبشر .. في لحظة ما .. نور الهدى صدر عنها صوت ما بيحاول يعبر عن مفردة باللغة العربية مشتقة من الجذر (ع ط ل) .. بتقول (وتعطلت)، بتكررها وبترجع تقول (لغة الكلام) ... بتقول (وتعطلت لغة الكلام) .. ألقيت نظرة على صديقي ولقيته دافن وجهه بين كفتيه وعلى وشك يبكي، مش حزناً على شيء .. هو فقط عاجر عن مواجهة البلطجة والافتراء المحض والقدرات الجبارة الموجودة في هاي الثواني القليلة اللي شرحت فيها السيدة ألكساندرا بدران بصوتها الملائكي الشيطاني الفردوسي الجهنمي مجاز السيد أحمد شوقي عندما أراد التعبير عن عجز الكلام، كلغة، على الإتيان بما في النفس من إحساس وشعور. قشعريرة، فقط.
صورة: قبل عدة أسابيع كنت بالسيارة مع أبي، لأول مرة منذ فترة طويلة اجرؤ وأطلب منه تشغيل السي دي الوحيد اللي بالسيارة (السي دي عبارة عن تشكيلة منوعات لكاظم الساهر)، منذ وفاة أمي ولم يعمل السي دي نهائياً، أعلم أن فيه أغنية وهي (سلمتك بيد الله) وهو يكره سماعها لأنها، أي أمي، كانت تكثر من سماعها قبل وفاتها بشكل كبير، كنت أتذكرها جيداً، كانت تشغل الأغنية خصيصا له، أبي، تقول له (يا ظالم لا ترحم) وكان يبتلع رسائلها ولا يرد، تحاشيت تشغيل سلمتك بيد الله ووجدتني وصلت أثناء تقليبي في أغاني السي دي إلى أغنية أشكيك لمين (كلمات عبد الوهاب محمد وألحان كاظم نفسه) ، وبعد دقيقتين قال أبي: هاي كانت آخر أغنية أمك سمعتها قبل ما تموت.
صمت، كاظم لا يزال يردد (وان كان ضميرك نفسه ما بيقدر عليك .. أشكيك لمين؟) .. استطرد أبي: لما رجعنا من النصيرات من عند دار خالتك، بنفس اليوم اللي "وقعت" فيه، كانت هاي الاغنية شغالة بالسيارة وكانت هاي آخر أغنية أمك سمعتها.
أشكيك لمين تحولت إلى صورة، أمي جالسة بالمقعد الأمامي من السيارة وتحدق بعينيها الضعيفتين إلى العدم المظلم وتستمع إلى كاظم يغني بلهجة مصرية ثقيلة أغنية للشكوى والعجز والألم الدفين. كانت روحها هادئة بعد الكثير من الضحك في بيت أختها في النصيرات، لأول مرة منذ شهور عصيبة، بعد 4 أو 5 ساعات فقط ستسقط على الأرض بسبب نزيف حاد بالدماغ، وبعدها بعدة ساعات أيضاً ستفقد الوعي تماما، وبعدها بعدة أيام ستموت .. لم تكن تعرف شيئاً .. كانت تتسائل فقط .. تشكيه لمين؟
أحيانا بتصيبني حالات من "الوجد" أثناء السماع .. مش قاعد بقول إني بـ(أتصفون) لا سمح الله .. لكن هي لحظات عابرة من القشعريرة الباردة وكأن غلاف من الثلج يبطن أسفل جلدي على حين غرة، بتروح هاي القشعريرة وبتحل مكانها لحظات من السكون والألم والوجع ممكن تمتد لفترة طويلة، صديقي اللي بيشاركني جزء من يومي وبعض السماع أحياناً أنا بحبه بالرغم من كل بضانه وما بيهون علي أسببله كل هالاكتئاب الناتج عن شلال الذكريات المترافق مع الموسيقى اللي بسمعها وأنقله كل هالطاقة السلبية، بس ما بقدر .. أحيانا بلاقي نفس "غارق" بدون حد في الحزن .. ما في أحد بيستمتع بالغرق .. الغرق مش فعل اختياري ولا أنت بتغرق بشكل تطوعي في الدوامة الزرقاء .. انت بتحاول بكل ما أوتيت من قوة تنتزع نفسك من هالدوامة بس على الفاضي .. وبالرغم من كل ذلك، بتلاقي أحياناً نفسك غارق في شيء لا يمكن شرحه أثناء السماع حتى لو كنت بتسمع "صورة" بتتعرف عليها لأول مرة، مش موجودة في ألبومك من قبل .. مثلاً قبل يومين كنا جالسين مع بعض وبنسمع تسجيل لنور الهدى لأغنية (يا جارة الوادي) أكابيلا .. بتغني وبتسرح الست ألكساندرا وبتقعد تبلطج وبتثير في أجسادنا القشعريرة بدون أي اعتبار لحقوقنا كبشر .. في لحظة ما .. نور الهدى صدر عنها صوت ما بيحاول يعبر عن مفردة باللغة العربية مشتقة من الجذر (ع ط ل) .. بتقول (وتعطلت)، بتكررها وبترجع تقول (لغة الكلام) ... بتقول (وتعطلت لغة الكلام) .. ألقيت نظرة على صديقي ولقيته دافن وجهه بين كفتيه وعلى وشك يبكي، مش حزناً على شيء .. هو فقط عاجر عن مواجهة البلطجة والافتراء المحض والقدرات الجبارة الموجودة في هاي الثواني القليلة اللي شرحت فيها السيدة ألكساندرا بدران بصوتها الملائكي الشيطاني الفردوسي الجهنمي مجاز السيد أحمد شوقي عندما أراد التعبير عن عجز الكلام، كلغة، على الإتيان بما في النفس من إحساس وشعور. قشعريرة، فقط.
صورة: قبل عدة أسابيع كنت بالسيارة مع أبي، لأول مرة منذ فترة طويلة اجرؤ وأطلب منه تشغيل السي دي الوحيد اللي بالسيارة (السي دي عبارة عن تشكيلة منوعات لكاظم الساهر)، منذ وفاة أمي ولم يعمل السي دي نهائياً، أعلم أن فيه أغنية وهي (سلمتك بيد الله) وهو يكره سماعها لأنها، أي أمي، كانت تكثر من سماعها قبل وفاتها بشكل كبير، كنت أتذكرها جيداً، كانت تشغل الأغنية خصيصا له، أبي، تقول له (يا ظالم لا ترحم) وكان يبتلع رسائلها ولا يرد، تحاشيت تشغيل سلمتك بيد الله ووجدتني وصلت أثناء تقليبي في أغاني السي دي إلى أغنية أشكيك لمين (كلمات عبد الوهاب محمد وألحان كاظم نفسه) ، وبعد دقيقتين قال أبي: هاي كانت آخر أغنية أمك سمعتها قبل ما تموت.
صمت، كاظم لا يزال يردد (وان كان ضميرك نفسه ما بيقدر عليك .. أشكيك لمين؟) .. استطرد أبي: لما رجعنا من النصيرات من عند دار خالتك، بنفس اليوم اللي "وقعت" فيه، كانت هاي الاغنية شغالة بالسيارة وكانت هاي آخر أغنية أمك سمعتها.
أشكيك لمين تحولت إلى صورة، أمي جالسة بالمقعد الأمامي من السيارة وتحدق بعينيها الضعيفتين إلى العدم المظلم وتستمع إلى كاظم يغني بلهجة مصرية ثقيلة أغنية للشكوى والعجز والألم الدفين. كانت روحها هادئة بعد الكثير من الضحك في بيت أختها في النصيرات، لأول مرة منذ شهور عصيبة، بعد 4 أو 5 ساعات فقط ستسقط على الأرض بسبب نزيف حاد بالدماغ، وبعدها بعدة ساعات أيضاً ستفقد الوعي تماما، وبعدها بعدة أيام ستموت .. لم تكن تعرف شيئاً .. كانت تتسائل فقط .. تشكيه لمين؟
