روساليندا الجميلة، الأقحوانة المضيئة كقمر مكتمل، الصلدة الحنون كجدتها إزميرالدا، لقد قطعت جدتكِ على نفسها وعداً أن تكوني بخير، لست أدري الآن هل وفت بوعدها أم لا؟ طمأنيني أرجوكِ.
بعدما قابلته أول مرة، لو سُئلت يومها عن انطباعي العام عن هذا الرجل لكانت أول كلمة تخرج من فمي وقتها واصفةً إياه: دمه خفيف على الواقع مثل ما توقعت .. كثير بيضحك.
في تلك اللحظة بالذات كان قد تلقى خبراً ملعوناً، الخبر الملعون الثاني خلال شهور قليلة، هناك احتمال بإصابته بسرطان الكبد. لم استطع زيارته بعد عودته من القدس قبل حوالي الشهر، لقد عاد وبدأ يسترد عافيته ويقضي فترة نقاهته، زار المستشفى في غزة لإجراء بعض الفحوصات، أحدها، صورة بالأشعة فوق الصوتية لمنطقة البطن تبين وجود كتلة على الكبد، وحمة أو Lesion كما يوضح التقرير، عندما اتصلت به وأخبرني أنه بالمستشفى وأن بإمكاني زيارته هناك لم أتوقع أبداً أن تكون زيارتي الأولى له ومقابلتي الأولى معه بعد عشرة دقائق فقط من تلقيه خبراً يفيد باحتمالية إصابته بسرطان جديد .. لكنه، وبالرغم من ذلك، كان يضحك.
نادراً ما يحدث ذلك، أن يُشخص مريض بسرطان في عضو معين ويخضع للعلاج منه ويُشفى منه بالكامل بعد جراحة معقدة وفترة نقاهة مرهقة ثم وقبل أقل من عدة ساعات على إعلان شفائه تماماً منه يُنبَّأ بالاصابة بسرطان جديد في عضو مختلف كلياً، ليس أن السرطان انتشر من العضو الأول إلى الثاني، لا، لقد نشأ السرطان في كلا العضوين بشكل منفصل عن الآخر. لا أدري شيئاً بخصوص الإحصائيات الطبية، ولا أعلم شيئاً عن عدد الذين أصيبوا بالمرض بطريقة مشابهة في أماكن أخرى من العالم، لكن ما أعلمه أن هذا المرض اللعين كان قادراً على اختيار الشكل الانسب لخوض معركته ضد وائل ليقهر مقاتلاً شرساً مثله، لا أحد، حتى وائل عودة، يستطيع النجاة من هكذا عدو يقاتل على جبهتين.
لا تقرأ "1984" إلا بنصها الأصلي بالانجليزية، من سوء الحظ أن هانز زيمر ينتمي للجنس البشري، هو أفصل من ذلك، سيناء فلسطينية وكذلك جزيرتي تيران وصنافير، كسم السيسي، مواليد برج العقرب مخيفون، لا تعارض بين دعم المثلية الجنسية وشواطئ العراة كحق طبيعي وبين اعتبار أن الزوجة والسيارة يمتلكان الكثير من القواسم المشتركة، كس ام أبو مازن، شجرة سرو محترقة في حيفا أكثر فائدة للوطن من حنين زعبي، الـ screenshoters مثيرون للقلق، فيلم Arrival سيء وفيلم Hacksaw ridge متواضع المستوى وأفلام كوينتين تارنتينو ممتازة، التاريخ المكتوب مُغالى في تقديره، لا يُنصح بتناول الزانكس والفاليوم مع بعضهما البعض، عادل المشوخي أسطورة ولكرتونته سر باتع، إزميرالدا حنون كبقرة وصلدة كخنزير، أليخاندرو خائن والفلامنكيون غزاة ملاعين.
صباح الحادي والعشرين من يناير استيقظت في وفمي منفرج عن ابتسامة عريضة، ("كأن أحد علَّق حامل ملابس في فمي")، كان وائل قد بدأ رحلة معاناته مع العلاج الكيماوي منذ فترة ليست بالهينة، وكانت أحاديثنا المقولبة كإكليشيهات نصوص المسلسلات المكسيكية المدبلجة قد كثرت وتضحكني كلما استذكرتها، عندما بدأت بتسمية نفسي باسم ألكزاندر، أصر وائل على نطقه وكتابته دوماً بصيغته اللاتينية، أليخاندرو، ويبدو أن مقايضة صامتة حدثت بيننا، إذ تخليت عن "ألكزاندر" وقبل هو بتسميته بروساليندا، نوساليندا الصديقة الغالية والعزيزة لأليخاندرو وروساليندا كانت تشاركنا الحديث دائماً، ليس كذلك فحسب، اخترع كلانا جدَّة لروساليندا، هي إزميرالدا، عجوز عصامية تملك ضيعة في الريف المكسيكي ولديها قطيع من الأبقار والخنازير المدجنة وتعد التاكو لحبيب حفيدتها أليخاندرو مع الكثير من الهاليبينو ليقضي معظم لياليه معها مصاباً بتسمم غذائي، في صباح الحادي والعشرين من يناير كانت إزميرالدا طيبة مع أليخاندرو لأول مرة، لقد زارته في المنام، كانت وجهاً غير واضح المعالم، لكنها كانت حقيقة يكاد أليخاندرو يلمسها بيديه، تتكلم معه بعربية فصيحة مضحكة كعربية المسلسلات المكسيكية، قالت لأليخاندرو الكثير وظلت في رأسه لساعات، نسي أليخاندرو كل شيء قالته له، إلا جملة واحدة فقط: "أنا إزميرالدا جدة روساليندا، أخبره أنه سيكون بخير,". في الثامن عشر من أبريل توفي وائل، روساليندا، الأقحوانة البيضاء، الجميلة كقمر مكتمل.
هناك الكثير من الفراغ. أنا أغرق في سواد كقطعة من الفضاء لم يدخلها ضوء نجم من قبل، هناك أصرخ، لا أحد يسمعني.
لم يكن شيئاً معتاداً، ذاك الذي حدث بيني وبين وائل عودة، لقد كانت غالبية فترات صداقتنا افتراضية تماما، أشهر طويلة قضيناها نتحدث مع بعضنا كل يوم عشرات المرات، فقط عبر منصة تويتر، دون أن يعرف أحدنا عنوان الآخر أو رقم هاتفه، دون أن يخطر ببال أي منا أن يطلب مقابلة الآخر، أجزم أنه قد عرف عني أكثر مما يعرفه أخي، وقد احتل في قلبي مكاناً لم أمنح مثيله لصديق قط، سوى واحد أو اثنين، كان الصديق الذي يفهم معنى كلامي دون أن أفسره، الذي يكمل جملي ويقرأ أفكاري قبل أن أبوح بها، الذي يشاركني الاستمتاع بالموسيقى الجميلة والأفلام الجيدة والكتب الممتازة، المثقف الذي يدهشني باطلاعه وسعة أفقه وألمعيته الدائمة، الجريء الذي يقول دوماً ما يخاف الآخرون من مجرد التفكير فيه، المرح الساخر الذي كان يضحكك دوماً مهما كانت الحياة تثقل روحك، الذي أعرف أنه أحبني رغم أنه كره برج العقرب ومواليده، الذي لم ينقد يوماً مع تيار ولم يخف يوماً من السباحة ضده. لقد كان وائل أخي الأكبر الذي لم تلده أمي، وإن كان أخي الأكبر سيغضب - ربما - إن قرأ ما أقوله لكنه بدون شك الحقيقة، وائل كان المقاتل الشرس الذي حارب من أجل عائلته حتى آخر ذرة هواء استنشقتها رئتاه، والذي بقي في هذه المعركة وحيداً بلا أي نصير سوى دواء سام سقيم يقتله بذات السيف الذي يقتل فيه سرطانه.
صديقي، أخي، حبيبي، ضياء عيني، وائل، سأراهن على إزميرالدا وسأضع ثقتي بها، أثق أنك الآن بخير كما أخبرتني أنك ستكون، وأن روحك في عالم آخر تنعم بالسلام، أو ربما ستعود يوماً ما في حياة أخرى، كملحن مبدع كهانز زيمر أو رامين جوَّادي وستحصل على الأوسكار عدة مرات، أو ربما كعضو في فريق إعداد الأفلام الوثائقية عن تحقيقات الكوارث الجوية في شبكة National Geographic ، أو - وهذا ما أفضله لو كنت مكانك - كروائي عظيم جورج أوريل. ستغادر روحي هذا العالم أيضاً في يوم ما، وأمرها ومصيرها في علم الغيب، لكن إن كان الغيب يحمل لروحي وروحك عودةً أو خلوداً، فأملي أن تلتقيا مرة أخرى، سأعيش على هذا الأمل.
بعدما قابلته أول مرة، لو سُئلت يومها عن انطباعي العام عن هذا الرجل لكانت أول كلمة تخرج من فمي وقتها واصفةً إياه: دمه خفيف على الواقع مثل ما توقعت .. كثير بيضحك.
في تلك اللحظة بالذات كان قد تلقى خبراً ملعوناً، الخبر الملعون الثاني خلال شهور قليلة، هناك احتمال بإصابته بسرطان الكبد. لم استطع زيارته بعد عودته من القدس قبل حوالي الشهر، لقد عاد وبدأ يسترد عافيته ويقضي فترة نقاهته، زار المستشفى في غزة لإجراء بعض الفحوصات، أحدها، صورة بالأشعة فوق الصوتية لمنطقة البطن تبين وجود كتلة على الكبد، وحمة أو Lesion كما يوضح التقرير، عندما اتصلت به وأخبرني أنه بالمستشفى وأن بإمكاني زيارته هناك لم أتوقع أبداً أن تكون زيارتي الأولى له ومقابلتي الأولى معه بعد عشرة دقائق فقط من تلقيه خبراً يفيد باحتمالية إصابته بسرطان جديد .. لكنه، وبالرغم من ذلك، كان يضحك.
نادراً ما يحدث ذلك، أن يُشخص مريض بسرطان في عضو معين ويخضع للعلاج منه ويُشفى منه بالكامل بعد جراحة معقدة وفترة نقاهة مرهقة ثم وقبل أقل من عدة ساعات على إعلان شفائه تماماً منه يُنبَّأ بالاصابة بسرطان جديد في عضو مختلف كلياً، ليس أن السرطان انتشر من العضو الأول إلى الثاني، لا، لقد نشأ السرطان في كلا العضوين بشكل منفصل عن الآخر. لا أدري شيئاً بخصوص الإحصائيات الطبية، ولا أعلم شيئاً عن عدد الذين أصيبوا بالمرض بطريقة مشابهة في أماكن أخرى من العالم، لكن ما أعلمه أن هذا المرض اللعين كان قادراً على اختيار الشكل الانسب لخوض معركته ضد وائل ليقهر مقاتلاً شرساً مثله، لا أحد، حتى وائل عودة، يستطيع النجاة من هكذا عدو يقاتل على جبهتين.
لا تقرأ "1984" إلا بنصها الأصلي بالانجليزية، من سوء الحظ أن هانز زيمر ينتمي للجنس البشري، هو أفصل من ذلك، سيناء فلسطينية وكذلك جزيرتي تيران وصنافير، كسم السيسي، مواليد برج العقرب مخيفون، لا تعارض بين دعم المثلية الجنسية وشواطئ العراة كحق طبيعي وبين اعتبار أن الزوجة والسيارة يمتلكان الكثير من القواسم المشتركة، كس ام أبو مازن، شجرة سرو محترقة في حيفا أكثر فائدة للوطن من حنين زعبي، الـ screenshoters مثيرون للقلق، فيلم Arrival سيء وفيلم Hacksaw ridge متواضع المستوى وأفلام كوينتين تارنتينو ممتازة، التاريخ المكتوب مُغالى في تقديره، لا يُنصح بتناول الزانكس والفاليوم مع بعضهما البعض، عادل المشوخي أسطورة ولكرتونته سر باتع، إزميرالدا حنون كبقرة وصلدة كخنزير، أليخاندرو خائن والفلامنكيون غزاة ملاعين.
صباح الحادي والعشرين من يناير استيقظت في وفمي منفرج عن ابتسامة عريضة، ("كأن أحد علَّق حامل ملابس في فمي")، كان وائل قد بدأ رحلة معاناته مع العلاج الكيماوي منذ فترة ليست بالهينة، وكانت أحاديثنا المقولبة كإكليشيهات نصوص المسلسلات المكسيكية المدبلجة قد كثرت وتضحكني كلما استذكرتها، عندما بدأت بتسمية نفسي باسم ألكزاندر، أصر وائل على نطقه وكتابته دوماً بصيغته اللاتينية، أليخاندرو، ويبدو أن مقايضة صامتة حدثت بيننا، إذ تخليت عن "ألكزاندر" وقبل هو بتسميته بروساليندا، نوساليندا الصديقة الغالية والعزيزة لأليخاندرو وروساليندا كانت تشاركنا الحديث دائماً، ليس كذلك فحسب، اخترع كلانا جدَّة لروساليندا، هي إزميرالدا، عجوز عصامية تملك ضيعة في الريف المكسيكي ولديها قطيع من الأبقار والخنازير المدجنة وتعد التاكو لحبيب حفيدتها أليخاندرو مع الكثير من الهاليبينو ليقضي معظم لياليه معها مصاباً بتسمم غذائي، في صباح الحادي والعشرين من يناير كانت إزميرالدا طيبة مع أليخاندرو لأول مرة، لقد زارته في المنام، كانت وجهاً غير واضح المعالم، لكنها كانت حقيقة يكاد أليخاندرو يلمسها بيديه، تتكلم معه بعربية فصيحة مضحكة كعربية المسلسلات المكسيكية، قالت لأليخاندرو الكثير وظلت في رأسه لساعات، نسي أليخاندرو كل شيء قالته له، إلا جملة واحدة فقط: "أنا إزميرالدا جدة روساليندا، أخبره أنه سيكون بخير,". في الثامن عشر من أبريل توفي وائل، روساليندا، الأقحوانة البيضاء، الجميلة كقمر مكتمل.
هناك الكثير من الفراغ. أنا أغرق في سواد كقطعة من الفضاء لم يدخلها ضوء نجم من قبل، هناك أصرخ، لا أحد يسمعني.
لم يكن شيئاً معتاداً، ذاك الذي حدث بيني وبين وائل عودة، لقد كانت غالبية فترات صداقتنا افتراضية تماما، أشهر طويلة قضيناها نتحدث مع بعضنا كل يوم عشرات المرات، فقط عبر منصة تويتر، دون أن يعرف أحدنا عنوان الآخر أو رقم هاتفه، دون أن يخطر ببال أي منا أن يطلب مقابلة الآخر، أجزم أنه قد عرف عني أكثر مما يعرفه أخي، وقد احتل في قلبي مكاناً لم أمنح مثيله لصديق قط، سوى واحد أو اثنين، كان الصديق الذي يفهم معنى كلامي دون أن أفسره، الذي يكمل جملي ويقرأ أفكاري قبل أن أبوح بها، الذي يشاركني الاستمتاع بالموسيقى الجميلة والأفلام الجيدة والكتب الممتازة، المثقف الذي يدهشني باطلاعه وسعة أفقه وألمعيته الدائمة، الجريء الذي يقول دوماً ما يخاف الآخرون من مجرد التفكير فيه، المرح الساخر الذي كان يضحكك دوماً مهما كانت الحياة تثقل روحك، الذي أعرف أنه أحبني رغم أنه كره برج العقرب ومواليده، الذي لم ينقد يوماً مع تيار ولم يخف يوماً من السباحة ضده. لقد كان وائل أخي الأكبر الذي لم تلده أمي، وإن كان أخي الأكبر سيغضب - ربما - إن قرأ ما أقوله لكنه بدون شك الحقيقة، وائل كان المقاتل الشرس الذي حارب من أجل عائلته حتى آخر ذرة هواء استنشقتها رئتاه، والذي بقي في هذه المعركة وحيداً بلا أي نصير سوى دواء سام سقيم يقتله بذات السيف الذي يقتل فيه سرطانه.
صديقي، أخي، حبيبي، ضياء عيني، وائل، سأراهن على إزميرالدا وسأضع ثقتي بها، أثق أنك الآن بخير كما أخبرتني أنك ستكون، وأن روحك في عالم آخر تنعم بالسلام، أو ربما ستعود يوماً ما في حياة أخرى، كملحن مبدع كهانز زيمر أو رامين جوَّادي وستحصل على الأوسكار عدة مرات، أو ربما كعضو في فريق إعداد الأفلام الوثائقية عن تحقيقات الكوارث الجوية في شبكة National Geographic ، أو - وهذا ما أفضله لو كنت مكانك - كروائي عظيم جورج أوريل. ستغادر روحي هذا العالم أيضاً في يوم ما، وأمرها ومصيرها في علم الغيب، لكن إن كان الغيب يحمل لروحي وروحك عودةً أو خلوداً، فأملي أن تلتقيا مرة أخرى، سأعيش على هذا الأمل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق