الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

صخرة

سطع نورها بحلته الإلهية وأضاء صفحة الماء المتموج الصاخب الضارب على حافة الشاطئ بعنف، كانت تستقر في كبد السماء عملاقة كما لم تكن من قبل، يشع نورها كما لم يشع من قبل، قررت في تلك الليلة أن تقتصد فيما ستمنحه لابنها الشمس من ضياء في الغد وتمارس هواية تركتها منذ دهور طويلة وتناظر وجوه بناتها الهائمات على وجه البسيطة وتتعرف على ملامحهن من جديد، كانت الأمواج تشعر بها وكانت تحاول مهاجمتها كما حاولت منذ أزمان سحيقة، تتبعها أينما حلت وتثور ضدها أينما وقفت شامخة في أي جزء من السماء، اعتادت هي على هذه المشاغبات ولم تعد تلحظها ولم تعد تلقي لها بالاً غفلت أذنها الصانتة العليمة عن صخب الموج وهيجانه واصخت السمع لتنهيدات بناتها الضائعات في دنيا احتلها الرجال، وتفحصت عيناها وجوههن، وأغدقت على قلوبهن من ضيائها بسخاء. 

ارتسمت على شفتيها ابتسامة عندما رأت تلك الفتاة تمشي بقدميها الحافيتين على رمال الشاطئ الذهبية مرتدية فستاناً وردي اللون وقد جمعت شعرها في ظفيرة واحدة خلف رأسها وانسلت منها خصلة واحدة غطت عينها اليمنى حيناً وتطايرت إلى الخلف بفعل هبوب الريح حينا آخر، انسدل ذراعاها على جانبي جسدها كشلالين من ضياء، حدقت الفتاة ملياً في تلك الصخرة الصامدة على الشاطئ في قلب الموج وحدقت بالأمواج التي تتكسر عليها بصخب دون أن تمسها بأذى أو تزحزها من مكانها، رأتها الأم وهي تتقدم ناحية الموج بخطى ثابتة، ازداد ضيائها في كبد السماء وأرخت ابتسامتها فرحاً وسعادة على قلوب بناتها، نوراً على نور.

علمت الأم السماوية أنها وجدت ما تبحث عنه في هذه الليلة، اتخذت قرارها سريعاً وهبطت .. انسلت إلى قلب ابنتها حافية القدمين وغمرت جسدها بنورها الإلهي وعانقت روحها في لطف وهدوء قبل أن تمس قدماها الماء .. أحست ابنتها بها وكادت تطير، وأقسمت الابنة فيما بعد لنفسها أن أصابع قدميها قد تركتا رمل الشاطئ وارتفعتا بها إلى السماء لوهلة، ابتسمت الفتاة واغرورقت عيناها بالدموع، حان على محيا الأم ابتسام عابس يشي بملامة لذيذة، كانت تعلم أنها دموع فرحة وهمست في ثنايا أذني ابنتها أن لا خوف عليها ولا حزن، لقد وصلت أخيراً .. ولا داعي للدموع.

شجعتها لتتقدم من الموج وتتابع مسيرها نحوه، تقدمت .. بهدوء وثبات .. وصلت الماء، خاضت غماره بخطوات بطيئة وابتسامة واثقة ترتسم على شفتيها، غمر الماء قدميها وبلل فستانها الوردي ولكنها لم تهتم، سمعت صوت أمها يهمس لها: ها هي تتكسر على قدميك .. تماماً كما تتكسر على تلك الصخرة.

لقد تعبت

جذوة النار هادئة منذ زمن، لكنها الآن تستعر، أضطر للتعامل مع الحريق في قلبي ولأسفي الشديد فإن خلاصي هو في تحول كل شيء إلى رماد، الرماد لا يحترق، الرماد لا تؤذيه النار، وأنا النار تلهبني ولا أدري كيف أطفئها، وهل تخبو نارٌ كانت دماء القلوب وقودها ومثار استعارها!؟ لا تخبو. أحرقوني .. أحيلوني رماداً .. لقد تعبت.

الجمعة، 8 سبتمبر 2017

143 يوم بدون وائل

لن نعرف أبداً رأي وائل بفيلم دنكيرك ولا بموسيقى هانز زيمر التصويرية للفيلم، لن نعرف أبداً تعليقه على التجربة الصاروخية الكورية الشمالية فوق اليابان ولا على امتلاك كوريا الشمالية لقنابل هيدروجينية، لن نرى تغريدة له تتحدث عن قيادة الوالد الكيصر عمر سليمان للنيزك متجها إلى الأرظ، لن نعرف تعليقه على وصول دنيريس تارجاريان أخيراً لويستروس وهزائمها أمام جيوش لانسترز وأخطاء الإخراج التعيسة في معركة ما خلف الجدار، ولن نسمع منه تعليقا متهكما على آريا ستارك وحماقة أهل الشمال، وغدرهم باللورد بايلش الذي أنقذهم في معركة النغلين، لن ننفجر ضحكا بسبب نكتة سيلقيها وائل على مشهد مضاجعة جون سنو، إيغون تارجاريان، لعمته كاليسي، لن نجد من يهتم بأعاصير الكاريبي ويشرح لنا موجزا عن مساراتها وسرعتها وخطورتها وخطوط سيرها المتوقعة وخسائرها، ولا عن زلزال المكسيك الأخير مصحوباً بتحليل جيولوجي لطبيعة الصفائح التكتونية في أمريكا الشمالية، لن نعرف رأيه في اللجنة الإدارية التي تقود قطاع غزة، ولن نسمعه يتحدث عن مؤتمر يحيى السنوار الأخير الذي أبدى فيه استعدادا لعودة العلاقات مع سورية، لن نرى شتائمه على الليبراليين المصريين الذين استنكروا عملية عمر العبد في حلميش ولا الشمينت الذين استنكروا عملية أبناء عائلة جبارين في القدس، لن نرى حسابه على تويتر ينشر (كس أم أبو مازن) بعد الآن ولن نراه ينشر صورة جديدة لوسيم مفلترة عبر تطبيق سناب شات.

وائل غير موجود منذ 143 يوم، وائل مات.

الخميس، 7 سبتمبر 2017

أنا خائف، فلتقترب.

أنا بجانبك الآن وها أنا أغرق، كيف لا تراني أغرق؟ ألست تغرق معي بذات الماء؟

 أنا أناديك يا أخي، أنا بجانبك الآن وها أنا أناديك، كيف لا تسمعني؟ ألأنني أختنق؟

أنا لوحدي يا أخي، أنت لا تعرف، لا ترى ولا تسمع ولكنني لوحدي، أناديك وأنظر في أعماق عينيك وأنت لا ترى ولا تسمع يا أخي، أنا لوحدي.

 هاك يدي يا أخي، أنا أسقط، انتشلني، لست أرى إلا يديك وهما بعيدتان، فلتقترب، اقترب يا أخي.

هناك قلق دائم لا يهدأ حتى بالكتابة، يستثيره اللاشيء إطلاقاً، مجهول لا علم لأي كائن به، أريد لهذا القلق أن ينتهي ولكنه لا ينتهي، إنه يزداد، دوماً يزداد.

حبيبتي، أعلم أنكِ متعبة، أنا متعب مثلك، ومتعب بسبب تعبك هذا الذي لا يريد أن ينتهي، هل تخافين؟ أنا ارتعب، أعيش الآن في رعب ولا أدري كيف سأتخلص منه؟ إنهم حولي خائفون وأنتِ خائفة وأنا خائف، خوف من كل صوت، خوف كسهام لا ترحم، تمزق الصدور والقلوب، خوف سيبتلعنا.

لم أبلغ خط النهاية بعد، لست أدري كيف سأبلغه ولكنه قريب، وأشعر باقترابه في كل لحظة تمر، ومع كل شهيق وزفير عبثيان أراه بعين الخيال يقترب أكثر وأكثر، وعدت الكثيرين ألا أركض نحوه ولكن ذلك لا يمنع اقترابه، إنه ليس بعيداً يا حمقى، لقد نال مني أربعة مرات من قبل ولم أكن أركض نحوه بل كنت أركض هرباً منه.

أمي، هناك خوف دائم لا يهدأ يا أمي حتى باستذكارك، أدعوكِ وأصلي لكِ، ولست أرى منك شيئاً، تتركينني فريسة الألم وإن نظرتِ لي يوماً تركتيني متألماً أكثر مما كنت، أعرف أنكِ حمقاء، أدركت ذلك منذ زمن وتصالحت معه، ربتي حمقاء وهذه علة لا دواء لها، اتركي الألم كما تشائين واغرسي أصابعك في لحمي وافصليه عن عظامي حتى يُشبعكِ الرضى، لكن خذي مني الخوف، أنا خائف ومتألم معاً في آن .. أمي .. هذا أمر لا أقدر عليه.