الثلاثاء، 7 يوليو 2015

أمي .. عيد ميلاد

"عيد" ميلاد

لم أحط يوما بالكثير من التفاصيل عن حياة أمي، لم أكن في الحقيقة مهذبا بما فيه الكفاية لأستمع إليها كثيرا، أو لأجالسها كثيرا، في سنواتها الأخيرة كانت تقضي الكثير من الأوقات لوحدها، أحيانا لساعات طويلة بدون أن يكون بجانبها أحد، أنا وإخوتي وأبي مشغولون عنها بأشياء أخرى تبدو اليوم في منتهى التفاهة إذا ما قارنتها بعشرة دقائق أتكئ فيها برأسي فوق قدم أمي وأشعر بأصابعها تتخلل شعري وأسمع تعليقاتها المتكررة حول طوله ووجوب قصه لأني أبدو كجندي طالبان أو كسجين خرج لتوه من السجن، كنت دوما أتشاغل عنها، وأكتشف الآن تلك الحقيقة .. بعد موتها .. أتشاغل عنها وأجد تسليتي في أشياء تراها هي مملة ولا يستطيع أي منا أن يتشاركها مع الآخر.

هل لي من عزاء؟ هل لي من سلوى في هذه اللحظة التي أتذكر فيها تقصيري تجاه والدتي، هل لي من راحة عندما أتذكر كيف كنت أحبس نفسي بين دفتي كتاب لن أستفيد من قرائته شيئا وأمي على بعد غرفتين مني تجلس وحيدة بلا تلفاز يسليها - فالكهرباء مقطوعة - وبلا قدرة على قراءة القرآن - فعيناها منهكتان من المياة البيضاء ونزيف الشبكية - وبلا أنيس يستمع إلى شكواها من آلام رقبتها وظهرها وقدميها ويديها وعجزها عن المشي والحركة كما في السابق؟ لا أعتقد!! استمعت مصادفة لأختي ذات يوم تحادث أبي وتشتكيني له: أخي لا يجالسني وأظل بالساعات جالسة لوحدي، كنت عندما أعود من العمل أظل مع أمي ولكنها اليوم ليست موجودة! وسمعت أبي يرد - بمنطقية: لم يكن يجالس أمك حتى يجالسكِ أنتِ.

ربما لأجل ذلك لم أحط يوما بالكثير من التفاصيل عن حياتها، أعنى بذلك حياتها قبل أن أعي ما في الدنيا وما حولي، تفاصيل طفولتها وشبابها، أكثر من 35 سنة كاملة كانت مليئة بالكثير من التفاصيل التي كان يسعدها دوما أن تحادثني عنها .. وبعد وفاتها فقط، وبينما شلال الذكريات ينهمر أمامي كردم منزل يتعرض للقصف، أدركت كم كانت صعبةً حياة هذه المرأة! لم تكن حياة .. لقد "كانت رواية روسية" !

كانت واحدة من وقاحاتي المتعددة احتياجي لتذكير مستمر كل سنة بأن السابع من يوليو هو عيد ميلادها، أختي تذكرني مرة، أبي مرة أخرى، في السنوات الأخيرة أصبحت أضع تذكيرا على هاتفي المحمول ينبهني كل سنة بعيد ميلادها، في إحدى السنوات تذكرت عيد ميلادها بعد أن انقضى النهار ومر اليوم بالكامل ولم يسعف ذاكرتي وقتها سوى رؤيتي لأختي تجهز كيك عيد الميلاد في المطبخ، هرعت لها وهنأتها وقبلت يدها ورأسها ولم تستطع إلا أن تعاتبني على تأخري في التهنئة، طيلة سنوات عمري كلها لم تنس أمي يوما أن تهنأني بعيد ميلادي ولو في سنة واحدة، كانت هي التي تتذكر دائما وتذكر كل أهل البيت - كما هي عادتها، وكانت تظل ساهرة حتى يبدأ اليوم الجديد مع منتصف الليل وتحضر لغرفتي - وتوقظني من النوم إن لزم الأمر - كي تكون أول من في الكون أسمع منه كلمة: كل عام وانت بخير.

في ذات الوقت لم يكن الأمر ذا أهمية بالنسبة لأمي، فهي ترى أن الاحتفال بعيد الميلاد يشوبه حرمانية شرعية (لم تحسم يوما أمرها بهذا الشأن ولم تكن تهتم بهذه التفصيلة عندما يتعلق الأمر بأعياد ميلاد أبنائها) ولم تكن تحب أن ترى الكيك في ليلة عيد ميلادها وإن كان لا بد فيجب أن تكون بلا شموع وبلا أغاني "غبية" و "هبلة" كما كانت تسميها، كانت المشكلة هي في "التذكر" .. هل كنا "نتذكر" أمنا وعيد ميلادها .. هل كانت "على بالنا" ونحبها بما فيه الكفاية لكي لا ننسى هذا اليوم؟ هذا ما كان يعنيها في الحقيقة.

قبل خمسة سنوات، وقت طامة وفاة أخي، وهي طامة لم تتعافَ منها أمي على الإطلاق حتى ساعة سقوطها مغشيا عليها بسبب نزيف المخ الذي تسبب بوفاتها، مر عيد ميلاده الأول ثقيلا علينا كلنا، خاصة وأنه يسبق عيد ميلادي بأربعة أيام، يومها كانت أمي غاضبة من تصاريف القدر التي جعلت أربعة أيام فقط تفصل بين يوم ميلاد أخي وما يجتره من الذاكرة من أحزان وبين الضرورة الطبيعية للاحتفال بعيد ميلاد ابنها الآخر، كان إعداد الحلوى في البيت أو مجرد إدخالها إليه في ذلك الوقت جريمة لم أكن سأغفر لمن سيرتكبها، وإصراري على أن لا داعي حتى لكلمة "كل عام وأنت بخير" لم يقنع أمي كثيرا في ذلك الوقت، في السنة التي تليها، ووقتما مر عيد ميلادي أخي (العيد الثاني بعد وفاته) نسيته أمي، لا أدري لماذا حدث ذلك ولكنها نسيته ولم تتذكره إلا بعدما نبهناها إليه في اليوم التالي، بكت يومها بحرقة كأنها فقدته من جديد، كأنها أدركت لحظتها أنها نسيت (لا عيده فحسب) بل ذكراه بالكامل، بدا الأمر وكأنه يموت موتة أخرى في ذاكرتها .. آلمها ذلك ولم أستوعب ألمها وبكائها في ذلك الوقت سوى الآن ..

لم يكن سهلا أبدا اختيار كلمات مناسبة لأتذكر بها أمي أمام الناس، أشعر بأن لغتي عاجزة دائما وأني "لا أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات" .. لا أستطيع أن أنصفها ولا أن أعطيها حقها، وأشعر بالخجل .. أنا لم أنصفها ولم أعطها حقها وقتما كانت أمامي فهل يحق لي أن أتحدث عن إنصافها الآن وقد اختفى جسدها بين كومة من الرمال والحجارة، هل يحق لي أن أتحدث عن إنصافها وأنا أصلا أصارع لأبقيها حيّة في ذاكرتي كي لا تموت مرة أخرى؟

الجمعة، 19 يونيو 2015

حرب .. كلاكيت أول مرة

في 27 ديسمبر 2008 حماني القدر من الموت، كنت في الجامعة أستعد لدخول قاعة الامتحان، تأخرنا نصف ساعة لسبب لم يعرفه أحد منا (لا أنا ولا زملائي) لا في ذلك الوقت ولا حتى الآن، المهم أننا تأخرنا ودخلنا قاعة الامتحان متأخرين عن الموعد الرسمي بنصف ساعة، وقبل نهاية الامتحان بربع ساعة فقط بدأ أعنف قصف جوي شهدته غزة منذ أن عرف البشر معنى القصف الجوي إلى الآن، وإلى الآن لا يوجد إجماع بين أصدقائي على عدد الصورايخ التي سمعناها تنفجر في محيط المنطقة، كانت سبعة أو ثمانية أو تسعة وربما عشرة، الذي كنا واثقين منه أننا وبشكل أو بآخر كنا نجلس في قاعة الامتحان بدلا من الجلوس في ساحة الحرم الجامعي، وذلك عنى أننا نجونا من كمية كبيرة من الشظايا سقطت متطايرة من مكان القصف على المكان الذي كنا سنقف فيه بعد نهاية الامتحان، بالقرب من الجامعة وعلى بعد عشرات الأمتار يوجد مجمّع شُرَطِي وأكاديمية أمنية وقد كان وكانت ضمن قائمة أهداف أولية شملت عشرات المواقع قُصفت كلها في ذات الوقت لتعلن بدء جحيم لم يشهد له جيلي مثيلا من قبل، الرصاص المصبوب.

23 يوما من الجحيم، الشهداء تلو الشهداء والجرحى تلو الجرحى والتوغلات تلو التوغلات، في ذلك الجحيم كثير من الأمور تغيرت بالنسبة لنا كغزاويين وتسللت إلى قاموس مصطلحاتنا اليومية مفردة لم يحدث وأن استخدمناها ولم يحدث أن استخدمها أحدٌ أمامنا من قبل .. حرب!

حرب، هي الكلمة الجديدة والتي أصبحت فيما بعد معيارا زمنيا لأكبر كارثة يشهدها أبناء جيلي من مواليد الثمانينيات والتسعينيات عموما فأصبحت حياتنا منذ تلك اللحظة المشؤومة - التي سمعنا فيها صوت شظايا تسقط فوق سقف قاعة امتحان حمتنا منها بفعل الحظ غير المُفسّر فقط - نؤرخ لحياتنا بتأريخ جديد .. ما قبل الحرب، وما بعد الحرب.

ما الذي أتذكره عن تلك الثلاثة وعشرين يوما؟

إن لم أشأ العودة إلى كتب ومراجع سأتذكر ببساطة، 1400 شهيد، آلاف من الجرحى، عدد من القذائف المدفعية لم يُستخدم على جبهة كاملة في الحرب العالمية أُطلق فقط على الحدود لهدم الأنفاق، بيوت أُزيلت من الوجود وعشرات الآلاف فقدوا مأواهم، اليورانيوم المخضب والفسفور الأبيض ورأس ميدوسا يطل علينا من السماء حاملا الموت ونيران الحرائق التي لا تزيدها المياه إلا اشتعالا بدلا من التحجر الأبدي، أقربائنا هربوا من منزلهم على شاطئ مدينة غزة هربا من قذائف البوارج البحرية باعتبار أن بيتنا يقع في مكان أكثر أمانا وبعد وصولهم بعدة ساعات انفجرت قذيفة دبابة بالقرب من منزلنا وسقطت واحدة أخرى بدون أن تنفجر (المكان الأكثر أمانا!)، رحلة رعب أثناء عودتي من الجامعة إلى المنزل وأنا أسمع في كل لحظة أخبارا جديدة عن عدد الشهداء الذي كان يزيد تباعا وبإطراد مستمر كحصيلة أولية للضربة الأولى ليزيد عن 200 شهيد على الأقل .. فقط أثناء رحلة عودتي من الجامعة للبيت، وأثناء هذه الرحلة هذه سمعت عددا لا بأس به من الكائنات تتشفى وتتشمت بشهداء القوى الشرطية والأمنية التابعة لحماس، هم من مناصري فتح ومن أعضاء أجهزتها الأمنية التي حسمت حماس أمرها بالدم والرصاص قبل أكثر من سنة، الجيش الصهيوني يصل إلى منطقة تل الهوا لأول مرة فهي منطقة قريبة من الشاطئ ومن أبعد المناطق عن خطر الاجتياحات بشكل عام، أصلا سقطت من قاموسنا كلمة "اجتياح" ولم يعد لها أي معنى طالما أصبحت "حرب" موجودة وتملك مقدرة تفسيرية أعلى، الجيش الصهيوني يصل إلى مسافة نصف كيلومتر أو أكثر بقليل من مكان إقامتنا ويقين متزايد بأننا نملك واحدا من أسوأ أجهزة الإعلام في تاريخ الحروب البشرية منذ عهد فجر التاريخ ولحد الآن ..

وجهاد ....

جهاد .. جهاد العسلي، صديقي منذ سنوات طويلة وقد انقطعت بنا السبل بعد أن أنهينا دراسة الصف العاشر الأساسي ولم أعلم أبدا إن كان قد التحق بالجامعة بعد إنهائه الثانوية، بعد انتهاء الـ "حرب" بعدة أسابيع اكتشفت أنه استشهد أثناء التصدي للجيش الصهيوني في منطقة بيت لاهيا .. اليوم وأنا أكتب اسمه واتذكّر تفاصيل استشهاده كما وصلت إلي؛ يمر جهاد في مخيلتي كشبح باهت ذكراه تتلاشى شيئا فشيئا حتى إني أكاد أن أنساه .. أخاف أن أنساه ولكن لا .. لا زلت أتذكر .. لا زلت أذكر شيئا من ملامح وجهه، خاصة لحيته ناقصة النمو والتي كان يضيق ذرعا بها ويتمنى لو تكتمل بأسرع وقت، وأهم شيء حقيقة أنه لم يكن متدينا في يوم من الأيام، وكان "المشايخ" محط سخريته كالعادة وبالرغم من ذلك فقد استشهد وهو يقاتل تحت لواء كتائب القسام، قامته القصيرة، أجل، كان قصيرا وربما أقصر مني، لا يستطيع - ولو حاول بأقصى قوته - إذا قفز أن يرتقي ليصل برأسه إلى كتف جيرارد بيكيه، وربما كان قاذف الآر بي جي المُذخّر أطول منه، مرحه ونكاته البذيئة بمقاييس طلاب بالمرحلة الإعدادية، وكونه الصديق الوحيد الذي لم يغضب مني مطلقا عندما كنت أرفض أن يغش من أوراق إجاباتي في الامتحانات، كان الشخص الوحيد في حياتي كلها الذي فهم فطريا حرمانية أن تسرق مجهود شخص آخر فقط لأنك تملك عنده حظوة أو لأنك ببساطة تقدر على ذلك، أو ببساطة أكبر لأنه كان يقدر صداقتي ولا يريد لشيء تافه كهذا أن ينهيها. كل هذه التفاصيل أُجبر نفسي على استذكارها كل حين، لا أريد له أن يختفي من عقلي وذاكرتي فلا يوجد ما هو أو من هو أهم منه ليشغل الحيز الذي يشغله فعلا من هذه الذاكرة. علمت أنه استشهد بالصدفة، ورغم أنني أمضيت سنتين من حياتي أراه كل يوم أكثر مما أرى عائلتي أثناء دراستنا إلا أنني لم أهتم كثيرا بالسؤال عنه ضمن من قمت بالسؤال عنهم خلال الـ "حرب" وبعدها، ولذا فقد علمت باستشهاده صدفة، ناداني شخص ما أثناء جلوسي على مقعد بمقهى قرب الجامعة باسمي، التفت ورأيت واحدا من زملاء الدراسة الثانوية القدامى، كان ذلك بعد نهاية الـ "حرب" بحوالي ثلاثة أسابيع، بصراحة لم أتذكر اسم ذلك الشاب الذي ناداني ولكني تذكرت أنني درست معه في فصل دراسي واحد طيلة سنتين على الأقل، بادرني بالتحية وقال قولةً مشهورة انتشرت بيننا نحن أهل غزة بعد انتهاء جحيم الـ 23 يوما؛ قال: الحمد لله على سلامتك. بأي حال، سألني: لماذا لم تحضر العزاء في بيت جهاد!؟

- جهاد من؟

- جهاد العسلي! صديقك يا رجل! ألا تذكره؟

- ولماذا يكون هناك عزاء في بيت جهاد؟ أحلّ مكروه بواحد من أقربائه خلال الحرب؟

قال الشاب وقد ارتسمت على محياه ابتسامة مشفقة وقال بلهجة أهل جباليا المميزة: جهاد الله يرحمه .. استشهد في الحرب.

---------------

يقول الراوي: أن جهاد مر - أثناء الـ"حرب" - وبصحبة "قسّامي" آخر بمقبرة عباد الرحمن، كان كلا المقاتلين قد عاد لتوه من رباط استمر لفترة زادت عن الـ 24 ساعة متواصلة، كلاهما كان مرابطا في بلدة بيت لاهيا ، منطقة العطاطرة بشكل خاص، وهي منطقة نالت من التدمير خلال الحرب بسبب القصف المدفعي الشيء الكثير، ولمن لا يتذكر أو لا يعرف فله فقط أن يسترجع صور دمار الحرب الأخيرة في حي الشجاعية بشرق مدينة غزة فلم يكن حال العطاطرة إلا بمثل ذلك السوء أو أشد، خلال القصف الجوي لمراكز الشرطة في أول يوم سقط واحدٌ من أصدقاء جهاد شهيدا ودُفن في مقبرة عباد الرحمن (حي سكني يقع ضمن قرية جباليا) وبعد ان ترك نقطة رباطه ليعود لمنزله وينال قسطا من الراحة هو وزميله، فضّل كلاهما أن يمرا بالمقبرة ويقرأ كلاهما الفاتحة للصديق الشهيد. يقول الرواي: كأنهما كانا في حضرته في بيته كما اعتاد ثلاثتهم، كأنه معهم يحادثهم ويحادثونه، يسألهم ويجيبونه، يستفسر منهم ويطمأنونه، وقال جهاد وقتها للصديق لزميله: أترى هذا القبر؟ ونظر كلاهما لقبر تم حفره حديثا وهو مجهز لاستقبال شهيد جديد، القيمون على المقبرة فضّلوا أن يحفروا ما استطاعوا من القبور الجديدة استعدادا لأي مجازر محتملة، وكان قبر جديد قد حُفر بجانب قبر الصديق الشهيد، قال جهاد لزميله: أترى هذا القبر؟ أتسابقني إليه؟

قال الراوي: ومن ضمن كل الأشياء التي يمكن أن يتسابق لأجل نيلها شابان في العشرين من العمر، اختار اثنان من عناصر كتائب القسام أن يتسابقا على قبر بجوار صديقهما الشهيد، أيهما سيناله وسُيدفن فيه أولا، أيهما سينال الشهادة ويلحق بصديقه أولا، أيهما سيحفظ عهد صديقه ويكمل مسيرته ويصل أولا .. هذا ما تنافسا عليه.

قال الراوي: فلما انقضى يومان فقط، وفي السابع من يناير من العام 2009 نال الغدر من جهاد وأرتقى شهيدا وكان هو السابق وفرس الرهان الرابحة.

--------

ليس عندي صورة واحدة لجهاد، لم يحدث وأن تصورنا ولو صورة واحدة ولا حتى باستخدام كاميرا هاتف خلوي رديئة الجودة، ولم أعرف عائلته لأذهب وأطلب منهم صورة له! وكيف لي أن أفعل؟ حاولت كثيرا أن أكتب عنه ولم أفلح من قبل، ولا تظنوا أن ما ذكرته بالأعلى يُعتبر شيئا ذا قيمة مقارنة بما يمكن أن أكتبه عن شخص أمضيت معه سنتين من عمري لا أملك صديقًا سواه، ولست أظنني سأملك صديقًا مثله في يوم من الأيام. قبل أيام عادت ذكريات كثيرة لي مع جهاد تطاردني بشدة، وبدون داعٍ قررت أن أبحث عن اسمه عبر جوجل، وجدت في نتائج البحث فقط 3 نتائج تتعلق به، الأولى هي لصفحة على موقع كتائب القسام الإليكتروني فيها بيان يذيع نبأ استشهاده خلال معركة الفرقان والثانية من الموقع الرسمي لحركة حماس وقد تم افتتاحه قبل عدة شهور وفيه ذكر لسيرة مختصرة لجهاد تذكر أنه انضم لحركة حماس منذ عام 2003، وأصبح مقاتلا في القسام منذ 2005، أي منذ كان عمره 18 عاما فقط! في كلتا الصفحتين أجد صورة صغيرة لجهاد غير واضحة المعالم كما يجب، وتظهر وجهه ورأسه مرتديا قبعة خضراء وينظر نحو الكاميرا بصرامة، بنظرة لم يحدث وأن شاهدتها في عينيه من قبل !

النتيجة الثالثة .. كانت لخبر من موقع صحيفة الحياة الجديدة يذكر معاناة أسر الشهداء مع عدم صرف مستحقاتهم من الحكومة بسبب الانقسام واحتجاجهم على ذلك، ويذكر اسم والد صديقي من ضمن المحتجين!!!

----------

"حرب"

بعد أنتهت الـ "حرب" عدنا إلى الجامعة

لم أكن قد عرفت وقتها بما حصل لصديقي جهاد، ولم أكن قد عرفت وقتها بما حصل لصديق آخر لي لن أذكر اسمه، كان نقاشنا في تلك اللحظة متمحورا حول الجدلية التي سترافقنا في كل "حروبنا" اللاحقة .. انتصرنا؟ هُزمنا؟ كيف نقرر ذلك؟

أكدت على أننا - في ذلك الوقت - قد انتصرنا .. أجل .. كنت أستمع كثيرا لراديو الأقصى التابع لحماس خلال الحرب، صديقي ذاك لم يكن متابعا لأي إذاعات أو محطات تلفزيونية، صديقي كان في الميدان يُطلق الصواريخ ويحمل السلاح والروح على كفه ويواجه الموت في كل يوم ثلاثين مرة، وقد رأى كثيرا من زملائه يسقطون شهداء، ونجى من قصف استهدفه واستهدف مجموعته عدة مرات وشاهد بنفسه مليشيا المقاومة تُمنى بما وصفه أقسى هزيمة لها على الإطلاق منذ بداية الانتفاضة! ثار بي وبأقصى ما يمكن أن يكون الثوران واستمر لأكثر من ساعة يلعنني ويلعن الحرب ويلعن إسرائيل ويلعن حماس ويلعن انتصاراتها ويلعن الثمن البخس الذي شروا به دم الشهداء ويلعن الخونة أجمعين .. الخونة في الميدان والخونة وراء المكاتب في الغرف المكيفة في دمشق ورام الله والدوحة والقاهرة، كان صديقي غاضبا ويشعر بالعار ولم يستوعب - ولا أظنه قد استوعب لحد الآن - كيف استطاع أن ينجو بحياته في تلك الحرب المجنونة رغم أن الموت قد احاط به من كل مكان اكثر من مرة وكان غاضبا لأنه لم ينجح في 23 يوما فيما نجح فيه أكثر 1000 شهيد استحقوا الشرف الذي لم يمن به القدر عليه.

----------

لم تكن حربًا، الحرب مستمرة منذ عقود طويلة، منذ عام 1917 ونحن نحارب ونقاتل ونتلقى الهزائم واحدةً تلو الأخرى وننزف الدماء كثيرة ولا نبالي  بل ونقدم المزيد والمزيد، كانت تلك جولة قتال! قطعة من الجحيم .. أجل .. ولكنها ليست حربا بل جولة قتال، واليوم .. لم يعد يهمني أبدا أن أعرف هل انتصرنا في تلك الـ"حرب" أن هُزمنا، وما هي المعايير التي تحكم ذلك، وما هي الطريقة التي نحكم بها على نتائج مواجهة جيش نظامي هو الأقوى في المنطقة في مواجهة مليشيات بالكاد تستطيع تسليح نفسها بالحد الأدنى من الأسلحة، لم يعد يهمني أن أعرف إن كانت تلك هزيمة أم انتصار .. أعرف فقط أن ما أصابنا لم يكن ليخطأنا .. وأن دماء جهاد لم تضع هدرًا، وأنا لا أريد أن يصل بي الأمر حد ابتذال شهادة صديقي، ولكني مؤمن حقا أن دمائه لم تذهب هدرًا، وأن الطريق الذي مشى فيه جهاد قد كان يلحق فيه بمئات الآلاف ممن مشوا فيه من قبله وسيمشى فيه من بعده آلاف آخرون ..

لم يحد جهاد ولم ينزغ .. ونحن أيضا لن نحيد

الخميس، 23 أبريل 2015

أمي

هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد.

أمي، كان هاجس الفقد ينتابني منذ أيام قبل وفاتها، لم أدرِ أكان ذلك نبوءة مثلا!؟ لقد كنت أعرف الحقائق الطبية والعلمية وأعرف أنني لا أفعل شيئا سوى الانتظار، داخل ذلك المستشفى البائس لا تملك أي حلول لمعالجة نزيف حاد في الدماغ يتسلل إلى البطين الدماغي بكمية كبيرة، تملك فقط أن تدعو الله أو أي قوى كونية في هذا الوجود ألا تتعذب أمك وأن ترتاح سريعا.

كان الناس يتمنون لها الشفاء، وكنت أتمنى فقط أن ينتهي عذابها بأي صورة كانت!

بعد ثلاثة أيام على وجودها في المستشفى كنت أجلس بجانب سريرها بعد العصر، أضع يدي في يدها، تضغط على يدي أحيانا وترتخي أصابعها أحيانا أخرى، عيونها مغلقة، شفتاها منفرجتان وأنفاسها عالية، شفتاها متقرحتان من الجفاف، بطنها منتفخ من الغازات، حراراتها مرتفعة، تسعل كل حين بحدة، مسجَّاة على سريرها، يمارس جسدها حياته بالحد الأدنى من متطلباته الطبيعية وتنتظر فقط أن تستهلك ما تبقى من أنفاسها حتى تصل إلى الرمق الأخير، سقطت دمعتي رغما عنّي وقد كنت أغالبها منذ حين، لا أريد أن أبكي أمامها بأي حال! لكن رغما عني دفنت وجهي في جسدها وأخذت أذرف الدمع بلا حساب وأنتحب بصمت، وأقول لها همسا: ريتو أنا ولا إنتي يا غالية.

شعرت بأصابعها الهزيلة تضغطان بضعف على يدي، انتفضت ورفعت وجهي لأراها، شاهدت انفراجة في جفن عينها اليسرى، ودمعة تتشكل ببطء ثم تنحدر على صدغها بدون بكاء، وهي لا تقوى أصلا على البكاء، كدت في تلك اللحظة أن أفقد وعيي.

عندما سقطت فاقدة للقدرة على الحركة في نصفها الأيسر في أول يوم، كانت الساعة لم تصل بعد حد الواحدة صباحا، خلال ثلاثين دقيقة أوصلتها سيارة الإسعاف إلى المستشفى، في غرفة الطوارئ كان وضعها يزداد سوءا مع كل دقيقة تمر، ودرجة وعيها تتناقص شيئا فشيئا، ولم أكن أدري أن نزيفا بدماغها أصلا، كنت أظنه تجلطا لا نزيف، أو هكذا كنت أتمنى! وكنا ننتظر سيارة إسعاف خاصة بالمستشفى لتقلها من قسم الطوارئ إلى قسم الأشعة ليجروا لدماغها تصويرا طبقيا، لربما استطاعت أن تميز أختي بجانبها، ربما من صوت بكائها! نادتها بصوت ضعيف جدا وطلبت منها أن تناديني أن وأخي محمد لنقترب منها، سمعتها تقول ما كان آخر ما نطقت به تقريبا: "سامحوني"

بعد مرور ثلاثة أيام على وجودها بالمسشفى نُقلت مرة أخرى لتجري تصويرا طبقيا للدماغ، بعد معاناة مع الطبيب المختص الذي استغرق ساعة حتى وصل، وسيارة الاسعاف التي أخذ سائقها "يتمنيك" حرفيا مع الممرضات قبل أن يعلن أنه وصل لينقل مريضة مسنة إلى قسم الأشعة. وصلت أمي لقسم الاشعة وبعد نصف ساعة تقريبا عادت، وظهر أبي منهكا كأنه قد هد جبلا للتو، سألته وإخوتي عن نتيجة الصورة، قال أن الأطباء طمأنوه لكون النزيف على حاله، لم يتحسن ولكنه لم يتطور للأسوء كذلك.

في اليوم التالي (رابع أيام وجودها في المستشفى) أوصل أبي لي خبرا مفاده أن النزيف في دماغ أمي وصل حجمه لاكثر من ٥٠ مل، وأن جزءا كبيرا منه تسلل للبطين الدماغي. كان أبي ينقل لي نص شهادة وفاة أمي حسبما أخبره الأطباء.

بعد مرور خمسة أيام على وجود أمي بالمستشفى كنت قد بدأت أعتاد الحقيقة، أمي ليست موجودة!! أدعو لها بالرحمة وأرجو من الله أن يختار لها الأفضل، هناك احتمال ضئيل بأن تستفيق من غيبوبتها وأن يمتص دماغها النزيف، ستستفيق مشلولة بأضرار في البصر وفاقدة للقدرة على أداء وظائف جسمها الحيوية المعتادة! كانت دائما تقول لي: بخافش من إشي قد ما بخاف من "الرمية"، الكبر عبر يا ابني .. كنت دائما أرد: ربنا يعطيكي الصحة وطولة العمر ولا يحوجك لأحد.

أكملت أمي ستة أيام بالضبط في المستشفى، في فجر اليوم السابع اشتدت آلام صدرها وضاقت أنفاسها بشدة، أختي تروي لي كيف ارتفعت أنفاسها فجأة وأصبحا تنفسها عميقا .. استمر لعدة دقائق على هذه الحال حتى شهقت النفس الأخير ولم تخرجه، كانت روحها قد فاضت.
بعد ساعتين بالضبط استيقظت من نومي ولا أدري ما الذي حدث، كان هناك انقباض في صدري لم أدرِ ما سببه خرجت من غرفتي ووجدت عائلتي كلها قد اجتمعت في صالة الدار وأختي تنقل بعض الأشياء من مكان لآخر وتمشي بتثاقل شديد، لماذا لا يوجد أحد في المستشفى؟ أين أمي؟ قبل أن يخرج صوتي من جوفي كانت أختي تقول: آه .. زي اللي انت متوقعه بالضبط، أمك ماتت البقية بحياتك.
بقيت واجمًا لا أقوى على فعل شيء حتى الكلام، ولم يبدُ أن أحدا من أهل البيت كان يعنيه ما يحدث معي في تلك اللحظة بالذات، كان كل منا منفصلا عن الواقع بطريقة ما، وكل منا كان غارقا في دوامته الخاصة.

عندما بلغت أمي الخامسة عشرة من عمرها كانت قد أنهت المرحلة الإعدادية وبدأت تتعلم الخياطة، ذات مساء صيفي اقترحت عليها جارتها وقالت: ولك يا مدللة، تيجي معاي ع مشغل البنات وأعلمك خياطة؟ ، وبعد تداولات لم تستغرق سوى عدة دقائق بين المدللة وأبيها وأمها قامت وارتدت "الداير" ووضعت على رأسها الشال الأبيض وغادرت رفقة جارتها إلى مشغل للخياطة في مخيم النصيرات، شهور وهي تتعلم، وما أن انتهت إجازة الصيف حتى كانت قد تعلمت كيف تنسج الصوف وكيف تطرز الأثواب التراثية وكانت من القلائل اللواتي تم ائتمانهن على أسرار الخياطة على الماكينة الكهربائية الجديدة، وقد ظل لماكينة الخياطة مكان محفوظ في زاوية كل بيت أقامت فيه أمي بعد زواجها حتى جاء اليوم الذي ضعف فيه بصرها بسبب داء السكري وضعفت فيه يداها بسبب التهابات أعصابها الطرفية التي تسبب بها داء السكري أيضا متعاونا مع انزلاقات غضروفية في أربع فقرات في رقبتها.
لم تترك أمي الخياطة برغبتها أبدا، حتى عندما عملت في السلك التعليمي أثناء اغترابها مع أبي في السعودية طيلة ما يزيد عن اثني عشرة سنة، وبقيت ماكينة الخياطة، وأسياخ الصوف وصنارة النسيج وخيوط التطريز الحريرية، كلها في مكانها المعتاد في إحدى زوايا البيت - أي بيت - سواء في غزة أم في تلك القرية النائية على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر.

ولدت أمي في العام ١٩٥٤، كان ميلادها في مخيم النصيرات في وسط غزة، تقول الأسطورة أن جدّاي قاما بإتمام خطبة أبي وأمي في ذات يوم ميلادها، حقا لم تكمل من حياتها الأربعة وعشرين الأولى بعد، وكان أبي قد بلغ من العمر وقتها اثني عشرة يوما فقط.
والغريب حقا أن جدي احتفظ بعهده لأخيه وابنه، وأمي ظلت باقية على عهد والدها وكلمته حتى بعد انقضاء أربعة وعشرين سنة من عمرها وهو شيء كان نادرا أن يحدث في مجتمع المخيم في السبعينات.

السادس عشر من إبريل
الثانية والنصف صباحا .. الرمق الأخير
الثالثة والربع .. دخل جثمان أمي ثلاجة المستشفى
التاسعة والنصف .. خرج جثمانها من المستشفى ووصل إلى البيت في سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر.

((هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد.))

لا أذكر متى بالضبط، لكن قبل أذان الظهر بدقائق (أبو ربما قبله بساعة!) كنا قد نقلنا جثمان أمي للمسجد، أذن الظهر وصليناه ثم أدينا صلاة الجنازة على جثمانها ونقلناها للمقبرة.
الوصية الأخيرة كانت أن تُدفن بجانب ابنها الذي سبقها إلى الموت قبل خمس سنوات ...

في  ديسمبر عام ١٩٧٩ كانت أمي تعاني من ألم المخاض الأول، كانت قد تركت ماكينة الخياطة منذ ما يقرب العام وتركت المشغل بعد زواجها وسافرت إلى السعودية مع أبي، كانت قد حصلت على عقد عمل في التدريس للمرحلة الابتدائية، بعد عدة أشهر كانت رفقة أبي في بيت متهالك في قرية نائية على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ولم تكن لديهم قدرة على شراء ماكينة للخياطة بعد. في الأشهر الأولى تعلم أبي هناك على يد كهل حجازي حرفة صب الطوب، واستطاع أن يقنعه بأن يستأجر منه أدوات عمله، كان من أول الأشياء التي بناها طوب والدي، فرن يشبه نوعا ما أفران الطابون في قرى فلسطين، كانت أمي قد تعودت أن تجهز بعض الخبز بعد الفجر ليقوم أبي بتوزيعه على بعض المحال التجارية في القرية أثناء انتظاره للطوب المصبوب حتى يجف بعد إخراجه من القوالب، وبعد عودتها من المدرسة تقوم أمي بتحضير وجبة جديدة من الخبز يوزعها أبي أيضا على متاجر القرية، كان نهار ديسمبر في ساحل الصحراء معتدل الحرارة ولكنه شديد الرطوبة كذلك، كانت أمي تجلس على مقعد خشبي قبالة الفرن تتعرق بشدة من حرارته المرتفعة، بطنها منتفخ واضطرابات جنينها لا تهدأ، هي الآن في شهر ولادتها وآلام مخاضها قد تباغتها في أي لحظة، وقبل أن تنتهي من خبز نصف العجين تقريبا جائتها علامة الولادة وانفجر كيس مشيمتها، هي تعلم أنها لو تركت عجينها هنا فسيفسد، اكملته للنهاية وقامت بتغليفه وهي تكابر وتدعو الله ألا تبدأ الام المخاض سريعا، انتهت وغيرت ملابسها وتركت رسالة لأبي تخبره بأنها في المركز الصحي وعلى وشك أن تلد وتطلب منه أن يدركها بعد أن ينتهي من توزيع الخبز الذي لا يجب أن يتأخر عنه حتى لا يبرد!
بعد سنتين، وفي ذات الديسمبر .. كانت أمي تجلس فوق مقعد بلاستيكي مريح نوعا ما هذه المرة، وكانت تقوم بتصليح بعض قطع الملابس بماكينة الخياطة الجديدة التي اشترتها قبل شهور وبطنها منتفخ وابنتها ذات السنتين تلعب بجوارها، ربما كان قلبها رهينة لتلك اليد الثلجية التي اعتصرته بعد فقدانها لثاني بناتها قبل عدة أشهر وخوفها الشديد على ابنتها الأكبر وابنها القادم، انفجر كيس مشيمتها أيضا هذه المرة ينبأها باقتراب الولادة، انتظرت حتى انتهت من عملها هذه المرة ايضا قبل أن تتوجه إلى المركز الصحي.

-أسامة؟
*نعم؟
-اذهب للطابق الأول، أمك مع عائلتك، اذهب وودعها.
تركت الناس في سرادق العزاء، دخلت البيت وعيناي بالأرض، وصلت للجثمان، كانت مسجاة على فراش قديم قامت أمي بخياطته قبل عشرين سنة على الأقل، فمها وأنفها مليئان بالقطن وعيناها مغلقتان وبشرتها باردة كالثلج، النساء حولي، بعضهن يبكي وبعضهن ينوح، وبعضهن يقرأ القرآن وبعضهن يسبح الله ويشرح للائي كن بجانبهن كيف أن أمي تبتسم ابتسامة واسعة مما يدلل على أنها ترى مقعدها من الجنة الآن.
قبل خمسة سنوات كنت واقفا فوق رأس أخي الذي كان قد سُجّي جثمانه في ذات المكان بالضبط لأجل الوداع الأخير، وكنت حرفيا قد انفجرت من البكاء، الآن .. أرى أمي وأرى في عينيها المغلقتين ضياع حياتي وتغالبني دموعي وأرفض أن أذرفها، لم أدرِ بالضبط لماذا؟ لم أكن أخجل من البكاء أمام الناس من قبل! ولا حتى الآن!
قبلت جبينها وخديها مرات ومرات، أخي وأختي بجانبي ولا أدرك وجودهما إلا من أصواتهما، بقيت صامتا لا أتحدث ونظري مجذوب نحو وجه أمي الجميل، ابتسم حينا واعبس حينا، عقلي فارغ ولا أمارس أي نشاط حيوي سوى النظر إلى وجه أمي والاستزادة من ملامحها قدر ما أمكن، وكأني أحفر وجهها الميت في ذاكرتي كنقش مسماري.

كنت المفضل لدى أمي، كنت الأكثر طاعة لها، وكنت الأكثر قدرة على أن أحقق لها أملها في أولادها .. أولهن كانت أنثى وليس الذكر كالأنثى (كانت أمي على كل ما في قلبها من حنان، ميزوجينية كأي مسلمة كانت تمارس الإسلام كما يقول الكتاب الوهابي)، والثالث كان له ظروفه الخاصة، والثانية والرابع توافهما الله.
كان أمل أمي بي كبيرا، كان مخططها لحياتي يشمل عدة محطات رئيسية، أهمها أن تحصل على فرصة حمل أولادي قبل أن تموت! دائما كانت تدعو: يا رب يحقق أملي فيك، وقبل أن تغيب عن الوعي قالت لي ولإخوتي: سامحوني، وقتها لطمت على خدّي وصرخت: أنسامحكِ نحن!!؟ كان شريط عرض سينمائي يدور في رأسي بصوت مزعج يحمل كل ذكرياتي عن خيبات أمل أمي فيَّ وما أكثرها وما أثقلها.

الثانية، أختي الصغيرة التي ماتت رضيعة في قماطها الأبيض الذي كُفّنت به، كانت تبلغ من العمر خمسة شهور فحسب، أصيبت بنزلة معوية تسببت لها بإسهال حاد، لم تكن أمي تعرف أن الإسهال الحاد قد يسبب الجفاف، وأن الجفاف لطفل في عامه الأول قد يسبب الوفاة.

الثالث، ولد بمشاكل صحية، عانى منها ردحا من الزمن إلى أن شفاه الله منها بعد ستة سنوات من ولادته، في سن الرابعة والعشرين أصابته حالة من القيء المزمن المزمن استمرت لعدة أسابيع، كان يتقيء كثيرا ويرفض تناول أي علاجات أو أدوية، أصابه الجفاف أيضا ولبث في المشفى ثلاثة أيام أصيب خلالهن باضطرابات في نشاط كهربية القلب وبفشل كلوي ثم مات.
كنت وقتها في السنة الرابعة في كلية الصيدلة، لم تخبرني أمي ولم يخبرني أبي ولكنني كنت اعرف، الجفاف المستمر الناتج عن القيء أو الإسهال خطير ويسبب الوفاة، كانت أمي تعرف أيضا، لم تقل لي .. لكنني كنت أعرف أن نفسها لم تتصالح أبدا مع إحساسها بالذنب تجاه ولدها لكونها سببا في وفاته، قلت لنفسي: كانت تعلم، وكنت أنا أيضا أعلم، وكانت تشعر بالذنب أضعاف ما اشعر به انا فقد كان ولدها في النهاية.

قبل دخول أمي المستشفى بعشرة أيام كان ضغط دمها لا يستقر، مرتفع دائما، وصداع رأسها كان كمسامير تُضرب في جسد المسيح إذ يثبتونه على الصليب، ومستوى السكر في دمها دائما مرتفع، وفي صدغها برزت بعض الأوردة بشكل واضح، كل شيء يدلل على أن مصيبة بشأن صحتها تلوح في الأفق إن لم يتدخل أحد ما (صيدلاني مثلا! شخص يعرف ال CVA والعوامل المسببة له!)
في الحقيقة .. لم أفعل شيئا. لم أراقب طعامها ولم أعدل جرعة أدوية الضغط التي تأخذها ولم أعطها مدرا للبول ولم أكلف نفسي عناء مجالستها والتخفيف عنها مصائبها التي كنت أعرف انها سبب تدهور وضعها النفسي الذي أدى لما وصلت إليه. لم أفعل شيئا!
لقد قتلت أمي.

((هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد. ))
كان الناس متجمهرين حول القبر، أنا ابنها! لكن أحدا لم يكن مهتما بتقريبي من مشهد الدفن وكان علي أن ازاحمهم حتى اصل إلى القبر وأشاهد أشخاصا ما يقومون بلحدها في مثواها الأخير. بقيت ثابتا كجلمود لا اتحرك، عندما تم إغلاق بلاطة القبر الأخيرة أمسكت برفش موجود يخص من قام بحفر القبر، واخذت أهيل التراب على قبر أمي ومثواها الأخير، حتى انتهيت مع اشخاص آخرين من رفع تبة صغيرة من التراب فوق القبر وثبتنا بها الشاهد. بقيت لوحدي في المقبرة أسلي عنها وحشته (قبل ساعات كانت تبتسم لمرأى مقعدها من الجنة حسبما أفتانا أهل الزيطة) ، قرأت شيئا مما أحفظ من القرآن، دعوت لها وجلست على البلاطة الرخامية لقبر أخي الراقد بجانب أمه.
وبكيت ..
ولخجلي من نفسي منعت نفسي من أن أقول لها مرة أخرى: ريتو أنا ولا إنتي يا غالية!!
غادرت المقبرة بعد أن قلت لأخي: استمتع بجوار أمك يا عرص، ولبثت ثلاثة أيام هي أيام العزاء حسب ما تقضي به العادات في بلادنا، كالمخَدَّر، إحساس بالعدمية وعبثية الحياة يسيطر علي، ولا أعرف أحقا أمي ماتت؟ أحقا أتصرف طبقا لما يقتضيه علي ذلك!؟ أحقا أعيش في حداد على - لا أمي فحسب - بل على حياتي الضائعة بفقدانها حتى لأبسط شيء من معانيها!؟

((هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد.))
ما أشد الفقد!؟

وجع .. ألم .. شقاء مستمر .. مرض .. فَقْد متكرر .. خيبات أمل ثقيلة لم تنتهي.

ليس ما ورد أعلاه سيرة مختصرة لحياة أمي، لا شيء يحصر أمي بين ثنايا الكلمات، أنا فاشل ككاتب بلا شك ولكن حتى أبرع أبرعكم لن يقدر على حصر أمي داخل نص مهما بلغت قدرته على توظيف الابتذال في انتاج الأدب، ولكني أردت أن اكتب عنها شيئا رغم ذلك .. أم تراني كنت أتحدث عن نفسي؟

أمي .. سامحيني ..