الثلاثاء، 19 يوليو 2016

20 - 7 - 2016 .. انتهاء السنة السادسة

كلا يا ابن اللعينة، لن تسرق من أخي ذكراه، لن تسرق مني ذكرى أخي.

--

مرحلة كتمان الدموع.

--

ستة أعوام من التلاشي التدريجي والمستمر بدون رحمة، بعد وفاته، أخي أحمد، انقلبت الدار لجحيم حقيقي، كان أبي ووالدتي يتفننان في تعذيب أنفسهما احتراقا بالألم، كنت أنا أريد للألم أن يتوقف، لقد توقف، أظن أنه توقف، اعتقدت أنه توقف، حتى أتت الذكرى الأولى لوفاته، وقام محراث لعين بنبش جذور الألم مرة أخرى، ليست النار التي تشتعل في كبدَيّ أبي ووالدتي تلك التي أتحدث عنها بل النار التي استعرت في روحي وقتما شاهدت جثة أخي ممدة على سرير المشفى مغطاة بغطاء أبيض وحاجبة النور عن وجهه. لا أعلم الفرق تحديداً بين النارين! لا أعلم أيهن كانت أكثر حرارة، ولكني أعلم أنني كنت أقدر على كبح جماح هذه النار لتحترق داخلي فقط، لم يكن يراها أحد. لكن التلاشي يستمر رغم كل ذلك، وفي كل عام تكون جذوة نار العشرين من يوليو أخف وطأة من العام الذي سبقه. النسيان سنة الحياة، لكنه سنة بغيضة ومقيتة، لم يعد لدي "أحمد" بعد ذلك اليوم، كل ما لدي هو ذاكرة تأكلها العثة يوماً بعد اليوم وتتناقص بشكل مفجح.

--

ظلت النار طوال سنين تخبو، وتعود فجأة لتشتعل، أحاول إقناع نفسي كثيراً أن من الواجب علي أن أحتفي بحياته، علي أن أنسى موته لأنـــ .... لا أعرف لماذا ولكن يتوجب أن أنساه! أن أظل محتفياً بحياته فقط، أفشل، في كل عام حينما يأتي الثامن من نوفمبر، حيث ذكرى ميلاده، أتجاهل الأمر عن عمد أو عن غير عمد، لا أعلم، لكن المحصلة هي أنني أتجاهله، وعندما يمر العشرين من يوليو أغرق لعدة ساعات في الدموع وأجد العالم من حولي قد تلاشي وكأنه لا شيء ولم يبقَ في الكون سوى سرير معدني جامد وصلب بحواف يتخللها الصدأ وآلة عرض يفترض أن تعرض كثيراً من الأرقام ولا تعرض سوى أصفار وفراش غير مريح وجثمان مغطى بالأبيض المتسخ بالقيء والد لم والبراز، وأعود لأبكي ثانية كأنني فقدته للتو!

--

في حياتها، كانت والدتي تحاول قدر استطاعتها مساعدتي على دخول الجنة بعد موتي، صلاة وصيام وسلوكيات كانت هي تخالف كثيراً منها لاعتبارات متعددة، وقتما مات أحمد، أرادت أن تتأكد بأي طريقة كانت من أنه ذهب إلى الجنة وليس إلى النار، تدعو له بالرحمة والمغفرة في كل صلاة، وفي كل مرة تبكيه فيها (وقد بكته مئات المرات، بدون مبالغة!)، تحاول أحيانا إقناع أبي بإخراج صدقة ووهبها عن روحه لفقير محتاج، تبحث عن الإشارات والعلامات في حلم ترى فيه صورته، في آية تقرأها في القرآن فتلوي عنقها لتفسرها كدليل على أن أخي كان من عباد الله الصالحين، في حديث نبوي يتحدث عن رحمه الله وغفرانه، في استذكارها لصالح عمل أخي قبل موته (لقد مات بعمر الرابعة والعشرين قضى منها ستة سنوات مريضاً بتشوه خلقي بالقلب!) المهم أنها قضت سنتها الأولى في الحزن تحاول البحث عن السلوى في معرفة أن أحمد هناك، بخير، معافى وقد تخلص من مشكلة قلبه، يرتدي الأبيض طوال اليوم ويصيد البجع في نهر من الخمر مع أحد الأنبياء أو الملائكة، ويراقبها من فوق مبتسماً ورائفاً بحالها تملأ قلبه شفقة تجاهها وتجاه نيران كبدها التي لا تهدأ!

لم يحدث أن شاركت والدتي شيئا من تفكيرها في ذلك الوقت، ولا حتى الآن، أنا فقط أريد أن أعرف إن كان موجوداً بغض النظر عن الجانب الذي ترقد فيه روحه أهانئة كانت أم معذبة، أريد أن أعرف أنه موجود .. أريد أن أؤمن بهذا، أعرف .. هراء .. أنا أميل الآن لتصديق أن لا شيء ينتظر أرواحنا البائسة سوى الظلام والفراغ، هذا يعني، بالتبعية والبديهة والمنطق، أن لا أحمد .. لم يكن هناك "أحمد" منذ الساعة التي تغطى وجهه فيها فوق سرير ذلك المشفى اللعين. لا أريد أن أصدق هذا، ولذا فعندما أحاول أن أقنع نفسي بأن أحتفي بحياته وأتجاهل موته أعجز بكل ما في كياني من ألم عن ذلك، أريد أن أستذكر موته فقط، لربما لم يكن هذا الموت هو محطة روحه الأخيرة، لعله لم يفنى، لعله لا يزال موجوداً، لعلي لا زلت لحد الآن أمتلك "أحمد" وإن كان على هيئة شك بوجود عالم بعد هذا العالم!

--

مرحلة انكسار محبس الدموع.

--

سأحاول نفض الغبار والتخلص من العث واسترجاع التفاصيل، سأبذل قصارى جهدي ..

هو أقصر مني بعدة سنتيمترات، أسمر البشرة، داكن أكثر بقليل من الحنطة، شعره أسود فاحم، عيونه سوداء أيضاً، يرتدي نظارات طبية بسبب إصابته بقصر النظر، نحيف، نحيف جدا جدا، بنيته الجسدية ضعيفة وهذا متوقع لمن عاش ستة أعوام من طفولته في سوء تغذية دائم بسبب مشاكل قلبه، لم تنمُ له لحية أبداً، لديه سن زائدة في فمه، لم يجروء طبيب أسنان في غزة أو السعودية على خلعها بسبب مشكلة قلبه والتي تجعلهم يخافون حتماً من حقنه بالليدوكايين حتى لو كان حقناً موضعياً، هناك أثر دائم لشق طولي في صدره، المكان الذي نفذ منه جراح إلى داخل صدره لإجراء عملية القلب المفتوح المعقدة التي أجراها عندما كان في السادسة، لم يزل تماما على الإطلاق، هناك علامة في النهاية العلوية لأثر هذا الشق سببها خرطوم وضع في أعلى صدره واستمر وضعه بعد العملية لتصريف الدماء والسوائل، استمرت هذه العلامة كندبة لا تلتأم وتفرز باستمرار صديداً أبيض اللون يضطر لاحتمال ألم شديد لإخراجه كل فترة وأخرى، صوته حاد وطفولي، لا يقدر على نطق الكلمات كما يجب، لم يتطور أبدا مركز النطق والكلام في دماغه كما يجب ويمتلك حصيلة لغوية متواضعة كانت سببا في حصوله على نتيجة متواضعة في الثانوية العامة، لكنه بارعٌ في الأرقام، لم يكتشف براعته إلا عندما التحق بكلية للدراسات المتوسطة في غزة لدراسة المحاسبة وحصل على المركز الثالث أثناء تخرجه بعد سنتين من الدراسة وحصوله على شهادة الدبلوم المتوسط، وعندما جسَّر شهادته للحصول على البكالوريوس أنهى سنته الأولى متفوقا على جميع أقرانه بلا منافس! كان يلعب الورق ببراعة .. امممم .. حسناً .. لم يكن بارعاً بقدر ما كان محظوظاً أحيانا وماهراً في الغش وسرقة البطاقات على الدوام، يحب قناة طيور الجنة (للذي ابتسم ساخراً .. كول خرا)، مسلسله الكارتوني المفضل كان "عدنان ولينا" وأحياناً كان يشاهد "الكابتن ماجد"، يحب مشاهدة أفلام عادل إمام ولا يمل من تكرار مسرحيتي العيال كبرت ومدرسة المشاغبين، يكره مشاركتي في مشاهدة الأفلام الأجنبية فلا أمل لديه في إتقان الانجليزية كما أنه لا يقدر على اللحاق بالترجمة الفورية على الشاشة بسبب ما عاناه من صعوبات في التعلم أثناء طفولته، كان ينام معي في غرفة واحدة ثم انفصلنا في غرفتين بعد زواج أخي الأكبر محمد، يكره مروحة السقف وأنا معتاد على طرد نفسي للنوم في الصالة غالباً عندما يصر على إطفائها في الليل، يملك هواجس تصيبه بشيء من الخوف بشأن أمور خاصة لا أريد من القارئ أن يعرفها، يمتلك نوعا من الحساسية الشديدة تجاه الكتب، رغم ذلك فهو مجتهد في دراسته حتى أبعد حد ويملك تصميماً من نوع خاص يتخذ شكل العناد .. والذي يصل أحياناً إلى حد (التياسة)، إن أراد شيئاً يعتمد كلياً على مجهوده الخاص فهو يحققه دوماً سواءً باجتهاده البدني أو العقلي، مصاب بالصدفية، هو مرض جلدي ناتج عن اعتلالات في التوازنات الهرمونية في الجسم ويُعتقد أن منشأ أسبابه نفسية، يترك على أنحاء متفرقة من بدنه الكثير من البثور العنقودية الشكل، وكان يحاربها باستخدام مراهم تحتوي أدوية كورتيزونية يضطر لاستخدامها على الدوام، وطوال فترة طويلة من سني حياته كان مضطراً وكنا مضطرين لشرح طبيعة المرض هذا لكل من يتعرفون عليه من أصدقاء ومعارف وتوضيح حقيقة أنه ليس مرضاً معدياً. هل شاهدتم الجزء الأول من كابتن أميركا؟ كان أخي دوماً مثل ستيفن روجرز قبل أن ينضم للجيش، في أحد الأيام غادرت المدرسة (كنا يومها لا زلنا في المرحلة الاعدادية، أنا وهو) وتفاجأت بأنه ملقى على الأرض وثلاثة من زملاء دراسته يضربونه بسبب تلاسن لفظي حدث بينهم أثناء اليوم الدراسي وقد توعدهم بأن يجدع أنوفهم بعد انتهاء الدوام، ثبتني بعض الملاعين من أصدقائهم ومنعوني من التدخل لحمايته، لم ينقذه يومها سوى مرور أخينا محمد والذي جزع لمشهد أخيه المريض وكاد يستفعل في مؤخرات زملاءه الذين يضربونه من شده غضبه.

هل سأوفق لذكر المزيد لو توقفت وحاولت الاسترجاع والاستذكار أكثر من ذلك؟ أم أن هذا كل ما ستجود به ذاكرتي؟ تلك هي الذكريات العشوائية التي قفزت إلى الواجهة عندما قررت أن أستعيد "أحمد" مرة أخرى وأنقذ اسمه من تلاشيه التدريجي .. هذه حصيلة واحد وعشرين عاماً شاركته فيها العيش تحت سقف واحد.

--

هناك أشياء لا أريد الحديث عنها، أنا أتواطئ مع نفسي لأخفيها عن الجميع، ليس في الأمر احترام لذكرى أخي وامتناع مني عن ذكر ما قد يسيء إليه، كلا .. أنا فقط أريد أن أصدق أنني كنت وإياه الأخوين النموذجين، المثال الذي يستخدم للدلالة على علاقة الأخوة كما يجب أن تكون رغم أني أعلم أننا لم نكن كذلك. لكن ما الذي قد يفيده استذكار هذا الآن؟ أنا أجاهد لأبقيه حياً وأناضل كي أظل مقتنعاً بأنه لم يمت بعد، فقط انتقل من مكان لآخر وأنني سألحق به قريباً.

--

مرحلة جفاف العين وانتهاء الدموع.

--

أنا متعب، الظلام يلفني الآن ولا ضوء ينعكس على المرايا ولكني أعرف أن عيناي حمراوتان، هناك الكثير لأقوله ولكن ليس في الروح متسع لمزيد من الألم. ليس في هذه الليلة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق