الثلاثاء، 7 يوليو 2015

أمي .. عيد ميلاد

"عيد" ميلاد

لم أحط يوما بالكثير من التفاصيل عن حياة أمي، لم أكن في الحقيقة مهذبا بما فيه الكفاية لأستمع إليها كثيرا، أو لأجالسها كثيرا، في سنواتها الأخيرة كانت تقضي الكثير من الأوقات لوحدها، أحيانا لساعات طويلة بدون أن يكون بجانبها أحد، أنا وإخوتي وأبي مشغولون عنها بأشياء أخرى تبدو اليوم في منتهى التفاهة إذا ما قارنتها بعشرة دقائق أتكئ فيها برأسي فوق قدم أمي وأشعر بأصابعها تتخلل شعري وأسمع تعليقاتها المتكررة حول طوله ووجوب قصه لأني أبدو كجندي طالبان أو كسجين خرج لتوه من السجن، كنت دوما أتشاغل عنها، وأكتشف الآن تلك الحقيقة .. بعد موتها .. أتشاغل عنها وأجد تسليتي في أشياء تراها هي مملة ولا يستطيع أي منا أن يتشاركها مع الآخر.

هل لي من عزاء؟ هل لي من سلوى في هذه اللحظة التي أتذكر فيها تقصيري تجاه والدتي، هل لي من راحة عندما أتذكر كيف كنت أحبس نفسي بين دفتي كتاب لن أستفيد من قرائته شيئا وأمي على بعد غرفتين مني تجلس وحيدة بلا تلفاز يسليها - فالكهرباء مقطوعة - وبلا قدرة على قراءة القرآن - فعيناها منهكتان من المياة البيضاء ونزيف الشبكية - وبلا أنيس يستمع إلى شكواها من آلام رقبتها وظهرها وقدميها ويديها وعجزها عن المشي والحركة كما في السابق؟ لا أعتقد!! استمعت مصادفة لأختي ذات يوم تحادث أبي وتشتكيني له: أخي لا يجالسني وأظل بالساعات جالسة لوحدي، كنت عندما أعود من العمل أظل مع أمي ولكنها اليوم ليست موجودة! وسمعت أبي يرد - بمنطقية: لم يكن يجالس أمك حتى يجالسكِ أنتِ.

ربما لأجل ذلك لم أحط يوما بالكثير من التفاصيل عن حياتها، أعنى بذلك حياتها قبل أن أعي ما في الدنيا وما حولي، تفاصيل طفولتها وشبابها، أكثر من 35 سنة كاملة كانت مليئة بالكثير من التفاصيل التي كان يسعدها دوما أن تحادثني عنها .. وبعد وفاتها فقط، وبينما شلال الذكريات ينهمر أمامي كردم منزل يتعرض للقصف، أدركت كم كانت صعبةً حياة هذه المرأة! لم تكن حياة .. لقد "كانت رواية روسية" !

كانت واحدة من وقاحاتي المتعددة احتياجي لتذكير مستمر كل سنة بأن السابع من يوليو هو عيد ميلادها، أختي تذكرني مرة، أبي مرة أخرى، في السنوات الأخيرة أصبحت أضع تذكيرا على هاتفي المحمول ينبهني كل سنة بعيد ميلادها، في إحدى السنوات تذكرت عيد ميلادها بعد أن انقضى النهار ومر اليوم بالكامل ولم يسعف ذاكرتي وقتها سوى رؤيتي لأختي تجهز كيك عيد الميلاد في المطبخ، هرعت لها وهنأتها وقبلت يدها ورأسها ولم تستطع إلا أن تعاتبني على تأخري في التهنئة، طيلة سنوات عمري كلها لم تنس أمي يوما أن تهنأني بعيد ميلادي ولو في سنة واحدة، كانت هي التي تتذكر دائما وتذكر كل أهل البيت - كما هي عادتها، وكانت تظل ساهرة حتى يبدأ اليوم الجديد مع منتصف الليل وتحضر لغرفتي - وتوقظني من النوم إن لزم الأمر - كي تكون أول من في الكون أسمع منه كلمة: كل عام وانت بخير.

في ذات الوقت لم يكن الأمر ذا أهمية بالنسبة لأمي، فهي ترى أن الاحتفال بعيد الميلاد يشوبه حرمانية شرعية (لم تحسم يوما أمرها بهذا الشأن ولم تكن تهتم بهذه التفصيلة عندما يتعلق الأمر بأعياد ميلاد أبنائها) ولم تكن تحب أن ترى الكيك في ليلة عيد ميلادها وإن كان لا بد فيجب أن تكون بلا شموع وبلا أغاني "غبية" و "هبلة" كما كانت تسميها، كانت المشكلة هي في "التذكر" .. هل كنا "نتذكر" أمنا وعيد ميلادها .. هل كانت "على بالنا" ونحبها بما فيه الكفاية لكي لا ننسى هذا اليوم؟ هذا ما كان يعنيها في الحقيقة.

قبل خمسة سنوات، وقت طامة وفاة أخي، وهي طامة لم تتعافَ منها أمي على الإطلاق حتى ساعة سقوطها مغشيا عليها بسبب نزيف المخ الذي تسبب بوفاتها، مر عيد ميلاده الأول ثقيلا علينا كلنا، خاصة وأنه يسبق عيد ميلادي بأربعة أيام، يومها كانت أمي غاضبة من تصاريف القدر التي جعلت أربعة أيام فقط تفصل بين يوم ميلاد أخي وما يجتره من الذاكرة من أحزان وبين الضرورة الطبيعية للاحتفال بعيد ميلاد ابنها الآخر، كان إعداد الحلوى في البيت أو مجرد إدخالها إليه في ذلك الوقت جريمة لم أكن سأغفر لمن سيرتكبها، وإصراري على أن لا داعي حتى لكلمة "كل عام وأنت بخير" لم يقنع أمي كثيرا في ذلك الوقت، في السنة التي تليها، ووقتما مر عيد ميلادي أخي (العيد الثاني بعد وفاته) نسيته أمي، لا أدري لماذا حدث ذلك ولكنها نسيته ولم تتذكره إلا بعدما نبهناها إليه في اليوم التالي، بكت يومها بحرقة كأنها فقدته من جديد، كأنها أدركت لحظتها أنها نسيت (لا عيده فحسب) بل ذكراه بالكامل، بدا الأمر وكأنه يموت موتة أخرى في ذاكرتها .. آلمها ذلك ولم أستوعب ألمها وبكائها في ذلك الوقت سوى الآن ..

لم يكن سهلا أبدا اختيار كلمات مناسبة لأتذكر بها أمي أمام الناس، أشعر بأن لغتي عاجزة دائما وأني "لا أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات" .. لا أستطيع أن أنصفها ولا أن أعطيها حقها، وأشعر بالخجل .. أنا لم أنصفها ولم أعطها حقها وقتما كانت أمامي فهل يحق لي أن أتحدث عن إنصافها الآن وقد اختفى جسدها بين كومة من الرمال والحجارة، هل يحق لي أن أتحدث عن إنصافها وأنا أصلا أصارع لأبقيها حيّة في ذاكرتي كي لا تموت مرة أخرى؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق