في 27 ديسمبر 2008 حماني القدر من الموت، كنت في الجامعة أستعد لدخول قاعة الامتحان، تأخرنا نصف ساعة لسبب لم يعرفه أحد منا (لا أنا ولا زملائي) لا في ذلك الوقت ولا حتى الآن، المهم أننا تأخرنا ودخلنا قاعة الامتحان متأخرين عن الموعد الرسمي بنصف ساعة، وقبل نهاية الامتحان بربع ساعة فقط بدأ أعنف قصف جوي شهدته غزة منذ أن عرف البشر معنى القصف الجوي إلى الآن، وإلى الآن لا يوجد إجماع بين أصدقائي على عدد الصورايخ التي سمعناها تنفجر في محيط المنطقة، كانت سبعة أو ثمانية أو تسعة وربما عشرة، الذي كنا واثقين منه أننا وبشكل أو بآخر كنا نجلس في قاعة الامتحان بدلا من الجلوس في ساحة الحرم الجامعي، وذلك عنى أننا نجونا من كمية كبيرة من الشظايا سقطت متطايرة من مكان القصف على المكان الذي كنا سنقف فيه بعد نهاية الامتحان، بالقرب من الجامعة وعلى بعد عشرات الأمتار يوجد مجمّع شُرَطِي وأكاديمية أمنية وقد كان وكانت ضمن قائمة أهداف أولية شملت عشرات المواقع قُصفت كلها في ذات الوقت لتعلن بدء جحيم لم يشهد له جيلي مثيلا من قبل، الرصاص المصبوب.
23 يوما من الجحيم، الشهداء تلو الشهداء والجرحى تلو الجرحى والتوغلات تلو التوغلات، في ذلك الجحيم كثير من الأمور تغيرت بالنسبة لنا كغزاويين وتسللت إلى قاموس مصطلحاتنا اليومية مفردة لم يحدث وأن استخدمناها ولم يحدث أن استخدمها أحدٌ أمامنا من قبل .. حرب!
حرب، هي الكلمة الجديدة والتي أصبحت فيما بعد معيارا زمنيا لأكبر كارثة يشهدها أبناء جيلي من مواليد الثمانينيات والتسعينيات عموما فأصبحت حياتنا منذ تلك اللحظة المشؤومة - التي سمعنا فيها صوت شظايا تسقط فوق سقف قاعة امتحان حمتنا منها بفعل الحظ غير المُفسّر فقط - نؤرخ لحياتنا بتأريخ جديد .. ما قبل الحرب، وما بعد الحرب.
ما الذي أتذكره عن تلك الثلاثة وعشرين يوما؟
إن لم أشأ العودة إلى كتب ومراجع سأتذكر ببساطة، 1400 شهيد، آلاف من الجرحى، عدد من القذائف المدفعية لم يُستخدم على جبهة كاملة في الحرب العالمية أُطلق فقط على الحدود لهدم الأنفاق، بيوت أُزيلت من الوجود وعشرات الآلاف فقدوا مأواهم، اليورانيوم المخضب والفسفور الأبيض ورأس ميدوسا يطل علينا من السماء حاملا الموت ونيران الحرائق التي لا تزيدها المياه إلا اشتعالا بدلا من التحجر الأبدي، أقربائنا هربوا من منزلهم على شاطئ مدينة غزة هربا من قذائف البوارج البحرية باعتبار أن بيتنا يقع في مكان أكثر أمانا وبعد وصولهم بعدة ساعات انفجرت قذيفة دبابة بالقرب من منزلنا وسقطت واحدة أخرى بدون أن تنفجر (المكان الأكثر أمانا!)، رحلة رعب أثناء عودتي من الجامعة إلى المنزل وأنا أسمع في كل لحظة أخبارا جديدة عن عدد الشهداء الذي كان يزيد تباعا وبإطراد مستمر كحصيلة أولية للضربة الأولى ليزيد عن 200 شهيد على الأقل .. فقط أثناء رحلة عودتي من الجامعة للبيت، وأثناء هذه الرحلة هذه سمعت عددا لا بأس به من الكائنات تتشفى وتتشمت بشهداء القوى الشرطية والأمنية التابعة لحماس، هم من مناصري فتح ومن أعضاء أجهزتها الأمنية التي حسمت حماس أمرها بالدم والرصاص قبل أكثر من سنة، الجيش الصهيوني يصل إلى منطقة تل الهوا لأول مرة فهي منطقة قريبة من الشاطئ ومن أبعد المناطق عن خطر الاجتياحات بشكل عام، أصلا سقطت من قاموسنا كلمة "اجتياح" ولم يعد لها أي معنى طالما أصبحت "حرب" موجودة وتملك مقدرة تفسيرية أعلى، الجيش الصهيوني يصل إلى مسافة نصف كيلومتر أو أكثر بقليل من مكان إقامتنا ويقين متزايد بأننا نملك واحدا من أسوأ أجهزة الإعلام في تاريخ الحروب البشرية منذ عهد فجر التاريخ ولحد الآن ..
وجهاد ....
جهاد .. جهاد العسلي، صديقي منذ سنوات طويلة وقد انقطعت بنا السبل بعد أن أنهينا دراسة الصف العاشر الأساسي ولم أعلم أبدا إن كان قد التحق بالجامعة بعد إنهائه الثانوية، بعد انتهاء الـ "حرب" بعدة أسابيع اكتشفت أنه استشهد أثناء التصدي للجيش الصهيوني في منطقة بيت لاهيا .. اليوم وأنا أكتب اسمه واتذكّر تفاصيل استشهاده كما وصلت إلي؛ يمر جهاد في مخيلتي كشبح باهت ذكراه تتلاشى شيئا فشيئا حتى إني أكاد أن أنساه .. أخاف أن أنساه ولكن لا .. لا زلت أتذكر .. لا زلت أذكر شيئا من ملامح وجهه، خاصة لحيته ناقصة النمو والتي كان يضيق ذرعا بها ويتمنى لو تكتمل بأسرع وقت، وأهم شيء حقيقة أنه لم يكن متدينا في يوم من الأيام، وكان "المشايخ" محط سخريته كالعادة وبالرغم من ذلك فقد استشهد وهو يقاتل تحت لواء كتائب القسام، قامته القصيرة، أجل، كان قصيرا وربما أقصر مني، لا يستطيع - ولو حاول بأقصى قوته - إذا قفز أن يرتقي ليصل برأسه إلى كتف جيرارد بيكيه، وربما كان قاذف الآر بي جي المُذخّر أطول منه، مرحه ونكاته البذيئة بمقاييس طلاب بالمرحلة الإعدادية، وكونه الصديق الوحيد الذي لم يغضب مني مطلقا عندما كنت أرفض أن يغش من أوراق إجاباتي في الامتحانات، كان الشخص الوحيد في حياتي كلها الذي فهم فطريا حرمانية أن تسرق مجهود شخص آخر فقط لأنك تملك عنده حظوة أو لأنك ببساطة تقدر على ذلك، أو ببساطة أكبر لأنه كان يقدر صداقتي ولا يريد لشيء تافه كهذا أن ينهيها. كل هذه التفاصيل أُجبر نفسي على استذكارها كل حين، لا أريد له أن يختفي من عقلي وذاكرتي فلا يوجد ما هو أو من هو أهم منه ليشغل الحيز الذي يشغله فعلا من هذه الذاكرة. علمت أنه استشهد بالصدفة، ورغم أنني أمضيت سنتين من حياتي أراه كل يوم أكثر مما أرى عائلتي أثناء دراستنا إلا أنني لم أهتم كثيرا بالسؤال عنه ضمن من قمت بالسؤال عنهم خلال الـ "حرب" وبعدها، ولذا فقد علمت باستشهاده صدفة، ناداني شخص ما أثناء جلوسي على مقعد بمقهى قرب الجامعة باسمي، التفت ورأيت واحدا من زملاء الدراسة الثانوية القدامى، كان ذلك بعد نهاية الـ "حرب" بحوالي ثلاثة أسابيع، بصراحة لم أتذكر اسم ذلك الشاب الذي ناداني ولكني تذكرت أنني درست معه في فصل دراسي واحد طيلة سنتين على الأقل، بادرني بالتحية وقال قولةً مشهورة انتشرت بيننا نحن أهل غزة بعد انتهاء جحيم الـ 23 يوما؛ قال: الحمد لله على سلامتك. بأي حال، سألني: لماذا لم تحضر العزاء في بيت جهاد!؟
- جهاد من؟
- جهاد العسلي! صديقك يا رجل! ألا تذكره؟
- ولماذا يكون هناك عزاء في بيت جهاد؟ أحلّ مكروه بواحد من أقربائه خلال الحرب؟
قال الشاب وقد ارتسمت على محياه ابتسامة مشفقة وقال بلهجة أهل جباليا المميزة: جهاد الله يرحمه .. استشهد في الحرب.
---------------
يقول الراوي: أن جهاد مر - أثناء الـ"حرب" - وبصحبة "قسّامي" آخر بمقبرة عباد الرحمن، كان كلا المقاتلين قد عاد لتوه من رباط استمر لفترة زادت عن الـ 24 ساعة متواصلة، كلاهما كان مرابطا في بلدة بيت لاهيا ، منطقة العطاطرة بشكل خاص، وهي منطقة نالت من التدمير خلال الحرب بسبب القصف المدفعي الشيء الكثير، ولمن لا يتذكر أو لا يعرف فله فقط أن يسترجع صور دمار الحرب الأخيرة في حي الشجاعية بشرق مدينة غزة فلم يكن حال العطاطرة إلا بمثل ذلك السوء أو أشد، خلال القصف الجوي لمراكز الشرطة في أول يوم سقط واحدٌ من أصدقاء جهاد شهيدا ودُفن في مقبرة عباد الرحمن (حي سكني يقع ضمن قرية جباليا) وبعد ان ترك نقطة رباطه ليعود لمنزله وينال قسطا من الراحة هو وزميله، فضّل كلاهما أن يمرا بالمقبرة ويقرأ كلاهما الفاتحة للصديق الشهيد. يقول الرواي: كأنهما كانا في حضرته في بيته كما اعتاد ثلاثتهم، كأنه معهم يحادثهم ويحادثونه، يسألهم ويجيبونه، يستفسر منهم ويطمأنونه، وقال جهاد وقتها للصديق لزميله: أترى هذا القبر؟ ونظر كلاهما لقبر تم حفره حديثا وهو مجهز لاستقبال شهيد جديد، القيمون على المقبرة فضّلوا أن يحفروا ما استطاعوا من القبور الجديدة استعدادا لأي مجازر محتملة، وكان قبر جديد قد حُفر بجانب قبر الصديق الشهيد، قال جهاد لزميله: أترى هذا القبر؟ أتسابقني إليه؟
قال الراوي: ومن ضمن كل الأشياء التي يمكن أن يتسابق لأجل نيلها شابان في العشرين من العمر، اختار اثنان من عناصر كتائب القسام أن يتسابقا على قبر بجوار صديقهما الشهيد، أيهما سيناله وسُيدفن فيه أولا، أيهما سينال الشهادة ويلحق بصديقه أولا، أيهما سيحفظ عهد صديقه ويكمل مسيرته ويصل أولا .. هذا ما تنافسا عليه.
قال الراوي: فلما انقضى يومان فقط، وفي السابع من يناير من العام 2009 نال الغدر من جهاد وأرتقى شهيدا وكان هو السابق وفرس الرهان الرابحة.
--------
ليس عندي صورة واحدة لجهاد، لم يحدث وأن تصورنا ولو صورة واحدة ولا حتى باستخدام كاميرا هاتف خلوي رديئة الجودة، ولم أعرف عائلته لأذهب وأطلب منهم صورة له! وكيف لي أن أفعل؟ حاولت كثيرا أن أكتب عنه ولم أفلح من قبل، ولا تظنوا أن ما ذكرته بالأعلى يُعتبر شيئا ذا قيمة مقارنة بما يمكن أن أكتبه عن شخص أمضيت معه سنتين من عمري لا أملك صديقًا سواه، ولست أظنني سأملك صديقًا مثله في يوم من الأيام. قبل أيام عادت ذكريات كثيرة لي مع جهاد تطاردني بشدة، وبدون داعٍ قررت أن أبحث عن اسمه عبر جوجل، وجدت في نتائج البحث فقط 3 نتائج تتعلق به، الأولى هي لصفحة على موقع كتائب القسام الإليكتروني فيها بيان يذيع نبأ استشهاده خلال معركة الفرقان والثانية من الموقع الرسمي لحركة حماس وقد تم افتتاحه قبل عدة شهور وفيه ذكر لسيرة مختصرة لجهاد تذكر أنه انضم لحركة حماس منذ عام 2003، وأصبح مقاتلا في القسام منذ 2005، أي منذ كان عمره 18 عاما فقط! في كلتا الصفحتين أجد صورة صغيرة لجهاد غير واضحة المعالم كما يجب، وتظهر وجهه ورأسه مرتديا قبعة خضراء وينظر نحو الكاميرا بصرامة، بنظرة لم يحدث وأن شاهدتها في عينيه من قبل !
النتيجة الثالثة .. كانت لخبر من موقع صحيفة الحياة الجديدة يذكر معاناة أسر الشهداء مع عدم صرف مستحقاتهم من الحكومة بسبب الانقسام واحتجاجهم على ذلك، ويذكر اسم والد صديقي من ضمن المحتجين!!!
----------
"حرب"
بعد أنتهت الـ "حرب" عدنا إلى الجامعة
لم أكن قد عرفت وقتها بما حصل لصديقي جهاد، ولم أكن قد عرفت وقتها بما حصل لصديق آخر لي لن أذكر اسمه، كان نقاشنا في تلك اللحظة متمحورا حول الجدلية التي سترافقنا في كل "حروبنا" اللاحقة .. انتصرنا؟ هُزمنا؟ كيف نقرر ذلك؟
أكدت على أننا - في ذلك الوقت - قد انتصرنا .. أجل .. كنت أستمع كثيرا لراديو الأقصى التابع لحماس خلال الحرب، صديقي ذاك لم يكن متابعا لأي إذاعات أو محطات تلفزيونية، صديقي كان في الميدان يُطلق الصواريخ ويحمل السلاح والروح على كفه ويواجه الموت في كل يوم ثلاثين مرة، وقد رأى كثيرا من زملائه يسقطون شهداء، ونجى من قصف استهدفه واستهدف مجموعته عدة مرات وشاهد بنفسه مليشيا المقاومة تُمنى بما وصفه أقسى هزيمة لها على الإطلاق منذ بداية الانتفاضة! ثار بي وبأقصى ما يمكن أن يكون الثوران واستمر لأكثر من ساعة يلعنني ويلعن الحرب ويلعن إسرائيل ويلعن حماس ويلعن انتصاراتها ويلعن الثمن البخس الذي شروا به دم الشهداء ويلعن الخونة أجمعين .. الخونة في الميدان والخونة وراء المكاتب في الغرف المكيفة في دمشق ورام الله والدوحة والقاهرة، كان صديقي غاضبا ويشعر بالعار ولم يستوعب - ولا أظنه قد استوعب لحد الآن - كيف استطاع أن ينجو بحياته في تلك الحرب المجنونة رغم أن الموت قد احاط به من كل مكان اكثر من مرة وكان غاضبا لأنه لم ينجح في 23 يوما فيما نجح فيه أكثر 1000 شهيد استحقوا الشرف الذي لم يمن به القدر عليه.
----------
لم تكن حربًا، الحرب مستمرة منذ عقود طويلة، منذ عام 1917 ونحن نحارب ونقاتل ونتلقى الهزائم واحدةً تلو الأخرى وننزف الدماء كثيرة ولا نبالي بل ونقدم المزيد والمزيد، كانت تلك جولة قتال! قطعة من الجحيم .. أجل .. ولكنها ليست حربا بل جولة قتال، واليوم .. لم يعد يهمني أبدا أن أعرف هل انتصرنا في تلك الـ"حرب" أن هُزمنا، وما هي المعايير التي تحكم ذلك، وما هي الطريقة التي نحكم بها على نتائج مواجهة جيش نظامي هو الأقوى في المنطقة في مواجهة مليشيات بالكاد تستطيع تسليح نفسها بالحد الأدنى من الأسلحة، لم يعد يهمني أن أعرف إن كانت تلك هزيمة أم انتصار .. أعرف فقط أن ما أصابنا لم يكن ليخطأنا .. وأن دماء جهاد لم تضع هدرًا، وأنا لا أريد أن يصل بي الأمر حد ابتذال شهادة صديقي، ولكني مؤمن حقا أن دمائه لم تذهب هدرًا، وأن الطريق الذي مشى فيه جهاد قد كان يلحق فيه بمئات الآلاف ممن مشوا فيه من قبله وسيمشى فيه من بعده آلاف آخرون ..
لم يحد جهاد ولم ينزغ .. ونحن أيضا لن نحيد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق