الخميس، 23 أبريل 2015

أمي

هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد.

أمي، كان هاجس الفقد ينتابني منذ أيام قبل وفاتها، لم أدرِ أكان ذلك نبوءة مثلا!؟ لقد كنت أعرف الحقائق الطبية والعلمية وأعرف أنني لا أفعل شيئا سوى الانتظار، داخل ذلك المستشفى البائس لا تملك أي حلول لمعالجة نزيف حاد في الدماغ يتسلل إلى البطين الدماغي بكمية كبيرة، تملك فقط أن تدعو الله أو أي قوى كونية في هذا الوجود ألا تتعذب أمك وأن ترتاح سريعا.

كان الناس يتمنون لها الشفاء، وكنت أتمنى فقط أن ينتهي عذابها بأي صورة كانت!

بعد ثلاثة أيام على وجودها في المستشفى كنت أجلس بجانب سريرها بعد العصر، أضع يدي في يدها، تضغط على يدي أحيانا وترتخي أصابعها أحيانا أخرى، عيونها مغلقة، شفتاها منفرجتان وأنفاسها عالية، شفتاها متقرحتان من الجفاف، بطنها منتفخ من الغازات، حراراتها مرتفعة، تسعل كل حين بحدة، مسجَّاة على سريرها، يمارس جسدها حياته بالحد الأدنى من متطلباته الطبيعية وتنتظر فقط أن تستهلك ما تبقى من أنفاسها حتى تصل إلى الرمق الأخير، سقطت دمعتي رغما عنّي وقد كنت أغالبها منذ حين، لا أريد أن أبكي أمامها بأي حال! لكن رغما عني دفنت وجهي في جسدها وأخذت أذرف الدمع بلا حساب وأنتحب بصمت، وأقول لها همسا: ريتو أنا ولا إنتي يا غالية.

شعرت بأصابعها الهزيلة تضغطان بضعف على يدي، انتفضت ورفعت وجهي لأراها، شاهدت انفراجة في جفن عينها اليسرى، ودمعة تتشكل ببطء ثم تنحدر على صدغها بدون بكاء، وهي لا تقوى أصلا على البكاء، كدت في تلك اللحظة أن أفقد وعيي.

عندما سقطت فاقدة للقدرة على الحركة في نصفها الأيسر في أول يوم، كانت الساعة لم تصل بعد حد الواحدة صباحا، خلال ثلاثين دقيقة أوصلتها سيارة الإسعاف إلى المستشفى، في غرفة الطوارئ كان وضعها يزداد سوءا مع كل دقيقة تمر، ودرجة وعيها تتناقص شيئا فشيئا، ولم أكن أدري أن نزيفا بدماغها أصلا، كنت أظنه تجلطا لا نزيف، أو هكذا كنت أتمنى! وكنا ننتظر سيارة إسعاف خاصة بالمستشفى لتقلها من قسم الطوارئ إلى قسم الأشعة ليجروا لدماغها تصويرا طبقيا، لربما استطاعت أن تميز أختي بجانبها، ربما من صوت بكائها! نادتها بصوت ضعيف جدا وطلبت منها أن تناديني أن وأخي محمد لنقترب منها، سمعتها تقول ما كان آخر ما نطقت به تقريبا: "سامحوني"

بعد مرور ثلاثة أيام على وجودها بالمسشفى نُقلت مرة أخرى لتجري تصويرا طبقيا للدماغ، بعد معاناة مع الطبيب المختص الذي استغرق ساعة حتى وصل، وسيارة الاسعاف التي أخذ سائقها "يتمنيك" حرفيا مع الممرضات قبل أن يعلن أنه وصل لينقل مريضة مسنة إلى قسم الأشعة. وصلت أمي لقسم الاشعة وبعد نصف ساعة تقريبا عادت، وظهر أبي منهكا كأنه قد هد جبلا للتو، سألته وإخوتي عن نتيجة الصورة، قال أن الأطباء طمأنوه لكون النزيف على حاله، لم يتحسن ولكنه لم يتطور للأسوء كذلك.

في اليوم التالي (رابع أيام وجودها في المستشفى) أوصل أبي لي خبرا مفاده أن النزيف في دماغ أمي وصل حجمه لاكثر من ٥٠ مل، وأن جزءا كبيرا منه تسلل للبطين الدماغي. كان أبي ينقل لي نص شهادة وفاة أمي حسبما أخبره الأطباء.

بعد مرور خمسة أيام على وجود أمي بالمستشفى كنت قد بدأت أعتاد الحقيقة، أمي ليست موجودة!! أدعو لها بالرحمة وأرجو من الله أن يختار لها الأفضل، هناك احتمال ضئيل بأن تستفيق من غيبوبتها وأن يمتص دماغها النزيف، ستستفيق مشلولة بأضرار في البصر وفاقدة للقدرة على أداء وظائف جسمها الحيوية المعتادة! كانت دائما تقول لي: بخافش من إشي قد ما بخاف من "الرمية"، الكبر عبر يا ابني .. كنت دائما أرد: ربنا يعطيكي الصحة وطولة العمر ولا يحوجك لأحد.

أكملت أمي ستة أيام بالضبط في المستشفى، في فجر اليوم السابع اشتدت آلام صدرها وضاقت أنفاسها بشدة، أختي تروي لي كيف ارتفعت أنفاسها فجأة وأصبحا تنفسها عميقا .. استمر لعدة دقائق على هذه الحال حتى شهقت النفس الأخير ولم تخرجه، كانت روحها قد فاضت.
بعد ساعتين بالضبط استيقظت من نومي ولا أدري ما الذي حدث، كان هناك انقباض في صدري لم أدرِ ما سببه خرجت من غرفتي ووجدت عائلتي كلها قد اجتمعت في صالة الدار وأختي تنقل بعض الأشياء من مكان لآخر وتمشي بتثاقل شديد، لماذا لا يوجد أحد في المستشفى؟ أين أمي؟ قبل أن يخرج صوتي من جوفي كانت أختي تقول: آه .. زي اللي انت متوقعه بالضبط، أمك ماتت البقية بحياتك.
بقيت واجمًا لا أقوى على فعل شيء حتى الكلام، ولم يبدُ أن أحدا من أهل البيت كان يعنيه ما يحدث معي في تلك اللحظة بالذات، كان كل منا منفصلا عن الواقع بطريقة ما، وكل منا كان غارقا في دوامته الخاصة.

عندما بلغت أمي الخامسة عشرة من عمرها كانت قد أنهت المرحلة الإعدادية وبدأت تتعلم الخياطة، ذات مساء صيفي اقترحت عليها جارتها وقالت: ولك يا مدللة، تيجي معاي ع مشغل البنات وأعلمك خياطة؟ ، وبعد تداولات لم تستغرق سوى عدة دقائق بين المدللة وأبيها وأمها قامت وارتدت "الداير" ووضعت على رأسها الشال الأبيض وغادرت رفقة جارتها إلى مشغل للخياطة في مخيم النصيرات، شهور وهي تتعلم، وما أن انتهت إجازة الصيف حتى كانت قد تعلمت كيف تنسج الصوف وكيف تطرز الأثواب التراثية وكانت من القلائل اللواتي تم ائتمانهن على أسرار الخياطة على الماكينة الكهربائية الجديدة، وقد ظل لماكينة الخياطة مكان محفوظ في زاوية كل بيت أقامت فيه أمي بعد زواجها حتى جاء اليوم الذي ضعف فيه بصرها بسبب داء السكري وضعفت فيه يداها بسبب التهابات أعصابها الطرفية التي تسبب بها داء السكري أيضا متعاونا مع انزلاقات غضروفية في أربع فقرات في رقبتها.
لم تترك أمي الخياطة برغبتها أبدا، حتى عندما عملت في السلك التعليمي أثناء اغترابها مع أبي في السعودية طيلة ما يزيد عن اثني عشرة سنة، وبقيت ماكينة الخياطة، وأسياخ الصوف وصنارة النسيج وخيوط التطريز الحريرية، كلها في مكانها المعتاد في إحدى زوايا البيت - أي بيت - سواء في غزة أم في تلك القرية النائية على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر.

ولدت أمي في العام ١٩٥٤، كان ميلادها في مخيم النصيرات في وسط غزة، تقول الأسطورة أن جدّاي قاما بإتمام خطبة أبي وأمي في ذات يوم ميلادها، حقا لم تكمل من حياتها الأربعة وعشرين الأولى بعد، وكان أبي قد بلغ من العمر وقتها اثني عشرة يوما فقط.
والغريب حقا أن جدي احتفظ بعهده لأخيه وابنه، وأمي ظلت باقية على عهد والدها وكلمته حتى بعد انقضاء أربعة وعشرين سنة من عمرها وهو شيء كان نادرا أن يحدث في مجتمع المخيم في السبعينات.

السادس عشر من إبريل
الثانية والنصف صباحا .. الرمق الأخير
الثالثة والربع .. دخل جثمان أمي ثلاجة المستشفى
التاسعة والنصف .. خرج جثمانها من المستشفى ووصل إلى البيت في سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر.

((هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد.))

لا أذكر متى بالضبط، لكن قبل أذان الظهر بدقائق (أبو ربما قبله بساعة!) كنا قد نقلنا جثمان أمي للمسجد، أذن الظهر وصليناه ثم أدينا صلاة الجنازة على جثمانها ونقلناها للمقبرة.
الوصية الأخيرة كانت أن تُدفن بجانب ابنها الذي سبقها إلى الموت قبل خمس سنوات ...

في  ديسمبر عام ١٩٧٩ كانت أمي تعاني من ألم المخاض الأول، كانت قد تركت ماكينة الخياطة منذ ما يقرب العام وتركت المشغل بعد زواجها وسافرت إلى السعودية مع أبي، كانت قد حصلت على عقد عمل في التدريس للمرحلة الابتدائية، بعد عدة أشهر كانت رفقة أبي في بيت متهالك في قرية نائية على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ولم تكن لديهم قدرة على شراء ماكينة للخياطة بعد. في الأشهر الأولى تعلم أبي هناك على يد كهل حجازي حرفة صب الطوب، واستطاع أن يقنعه بأن يستأجر منه أدوات عمله، كان من أول الأشياء التي بناها طوب والدي، فرن يشبه نوعا ما أفران الطابون في قرى فلسطين، كانت أمي قد تعودت أن تجهز بعض الخبز بعد الفجر ليقوم أبي بتوزيعه على بعض المحال التجارية في القرية أثناء انتظاره للطوب المصبوب حتى يجف بعد إخراجه من القوالب، وبعد عودتها من المدرسة تقوم أمي بتحضير وجبة جديدة من الخبز يوزعها أبي أيضا على متاجر القرية، كان نهار ديسمبر في ساحل الصحراء معتدل الحرارة ولكنه شديد الرطوبة كذلك، كانت أمي تجلس على مقعد خشبي قبالة الفرن تتعرق بشدة من حرارته المرتفعة، بطنها منتفخ واضطرابات جنينها لا تهدأ، هي الآن في شهر ولادتها وآلام مخاضها قد تباغتها في أي لحظة، وقبل أن تنتهي من خبز نصف العجين تقريبا جائتها علامة الولادة وانفجر كيس مشيمتها، هي تعلم أنها لو تركت عجينها هنا فسيفسد، اكملته للنهاية وقامت بتغليفه وهي تكابر وتدعو الله ألا تبدأ الام المخاض سريعا، انتهت وغيرت ملابسها وتركت رسالة لأبي تخبره بأنها في المركز الصحي وعلى وشك أن تلد وتطلب منه أن يدركها بعد أن ينتهي من توزيع الخبز الذي لا يجب أن يتأخر عنه حتى لا يبرد!
بعد سنتين، وفي ذات الديسمبر .. كانت أمي تجلس فوق مقعد بلاستيكي مريح نوعا ما هذه المرة، وكانت تقوم بتصليح بعض قطع الملابس بماكينة الخياطة الجديدة التي اشترتها قبل شهور وبطنها منتفخ وابنتها ذات السنتين تلعب بجوارها، ربما كان قلبها رهينة لتلك اليد الثلجية التي اعتصرته بعد فقدانها لثاني بناتها قبل عدة أشهر وخوفها الشديد على ابنتها الأكبر وابنها القادم، انفجر كيس مشيمتها أيضا هذه المرة ينبأها باقتراب الولادة، انتظرت حتى انتهت من عملها هذه المرة ايضا قبل أن تتوجه إلى المركز الصحي.

-أسامة؟
*نعم؟
-اذهب للطابق الأول، أمك مع عائلتك، اذهب وودعها.
تركت الناس في سرادق العزاء، دخلت البيت وعيناي بالأرض، وصلت للجثمان، كانت مسجاة على فراش قديم قامت أمي بخياطته قبل عشرين سنة على الأقل، فمها وأنفها مليئان بالقطن وعيناها مغلقتان وبشرتها باردة كالثلج، النساء حولي، بعضهن يبكي وبعضهن ينوح، وبعضهن يقرأ القرآن وبعضهن يسبح الله ويشرح للائي كن بجانبهن كيف أن أمي تبتسم ابتسامة واسعة مما يدلل على أنها ترى مقعدها من الجنة الآن.
قبل خمسة سنوات كنت واقفا فوق رأس أخي الذي كان قد سُجّي جثمانه في ذات المكان بالضبط لأجل الوداع الأخير، وكنت حرفيا قد انفجرت من البكاء، الآن .. أرى أمي وأرى في عينيها المغلقتين ضياع حياتي وتغالبني دموعي وأرفض أن أذرفها، لم أدرِ بالضبط لماذا؟ لم أكن أخجل من البكاء أمام الناس من قبل! ولا حتى الآن!
قبلت جبينها وخديها مرات ومرات، أخي وأختي بجانبي ولا أدرك وجودهما إلا من أصواتهما، بقيت صامتا لا أتحدث ونظري مجذوب نحو وجه أمي الجميل، ابتسم حينا واعبس حينا، عقلي فارغ ولا أمارس أي نشاط حيوي سوى النظر إلى وجه أمي والاستزادة من ملامحها قدر ما أمكن، وكأني أحفر وجهها الميت في ذاكرتي كنقش مسماري.

كنت المفضل لدى أمي، كنت الأكثر طاعة لها، وكنت الأكثر قدرة على أن أحقق لها أملها في أولادها .. أولهن كانت أنثى وليس الذكر كالأنثى (كانت أمي على كل ما في قلبها من حنان، ميزوجينية كأي مسلمة كانت تمارس الإسلام كما يقول الكتاب الوهابي)، والثالث كان له ظروفه الخاصة، والثانية والرابع توافهما الله.
كان أمل أمي بي كبيرا، كان مخططها لحياتي يشمل عدة محطات رئيسية، أهمها أن تحصل على فرصة حمل أولادي قبل أن تموت! دائما كانت تدعو: يا رب يحقق أملي فيك، وقبل أن تغيب عن الوعي قالت لي ولإخوتي: سامحوني، وقتها لطمت على خدّي وصرخت: أنسامحكِ نحن!!؟ كان شريط عرض سينمائي يدور في رأسي بصوت مزعج يحمل كل ذكرياتي عن خيبات أمل أمي فيَّ وما أكثرها وما أثقلها.

الثانية، أختي الصغيرة التي ماتت رضيعة في قماطها الأبيض الذي كُفّنت به، كانت تبلغ من العمر خمسة شهور فحسب، أصيبت بنزلة معوية تسببت لها بإسهال حاد، لم تكن أمي تعرف أن الإسهال الحاد قد يسبب الجفاف، وأن الجفاف لطفل في عامه الأول قد يسبب الوفاة.

الثالث، ولد بمشاكل صحية، عانى منها ردحا من الزمن إلى أن شفاه الله منها بعد ستة سنوات من ولادته، في سن الرابعة والعشرين أصابته حالة من القيء المزمن المزمن استمرت لعدة أسابيع، كان يتقيء كثيرا ويرفض تناول أي علاجات أو أدوية، أصابه الجفاف أيضا ولبث في المشفى ثلاثة أيام أصيب خلالهن باضطرابات في نشاط كهربية القلب وبفشل كلوي ثم مات.
كنت وقتها في السنة الرابعة في كلية الصيدلة، لم تخبرني أمي ولم يخبرني أبي ولكنني كنت اعرف، الجفاف المستمر الناتج عن القيء أو الإسهال خطير ويسبب الوفاة، كانت أمي تعرف أيضا، لم تقل لي .. لكنني كنت أعرف أن نفسها لم تتصالح أبدا مع إحساسها بالذنب تجاه ولدها لكونها سببا في وفاته، قلت لنفسي: كانت تعلم، وكنت أنا أيضا أعلم، وكانت تشعر بالذنب أضعاف ما اشعر به انا فقد كان ولدها في النهاية.

قبل دخول أمي المستشفى بعشرة أيام كان ضغط دمها لا يستقر، مرتفع دائما، وصداع رأسها كان كمسامير تُضرب في جسد المسيح إذ يثبتونه على الصليب، ومستوى السكر في دمها دائما مرتفع، وفي صدغها برزت بعض الأوردة بشكل واضح، كل شيء يدلل على أن مصيبة بشأن صحتها تلوح في الأفق إن لم يتدخل أحد ما (صيدلاني مثلا! شخص يعرف ال CVA والعوامل المسببة له!)
في الحقيقة .. لم أفعل شيئا. لم أراقب طعامها ولم أعدل جرعة أدوية الضغط التي تأخذها ولم أعطها مدرا للبول ولم أكلف نفسي عناء مجالستها والتخفيف عنها مصائبها التي كنت أعرف انها سبب تدهور وضعها النفسي الذي أدى لما وصلت إليه. لم أفعل شيئا!
لقد قتلت أمي.

((هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد. ))
كان الناس متجمهرين حول القبر، أنا ابنها! لكن أحدا لم يكن مهتما بتقريبي من مشهد الدفن وكان علي أن ازاحمهم حتى اصل إلى القبر وأشاهد أشخاصا ما يقومون بلحدها في مثواها الأخير. بقيت ثابتا كجلمود لا اتحرك، عندما تم إغلاق بلاطة القبر الأخيرة أمسكت برفش موجود يخص من قام بحفر القبر، واخذت أهيل التراب على قبر أمي ومثواها الأخير، حتى انتهيت مع اشخاص آخرين من رفع تبة صغيرة من التراب فوق القبر وثبتنا بها الشاهد. بقيت لوحدي في المقبرة أسلي عنها وحشته (قبل ساعات كانت تبتسم لمرأى مقعدها من الجنة حسبما أفتانا أهل الزيطة) ، قرأت شيئا مما أحفظ من القرآن، دعوت لها وجلست على البلاطة الرخامية لقبر أخي الراقد بجانب أمه.
وبكيت ..
ولخجلي من نفسي منعت نفسي من أن أقول لها مرة أخرى: ريتو أنا ولا إنتي يا غالية!!
غادرت المقبرة بعد أن قلت لأخي: استمتع بجوار أمك يا عرص، ولبثت ثلاثة أيام هي أيام العزاء حسب ما تقضي به العادات في بلادنا، كالمخَدَّر، إحساس بالعدمية وعبثية الحياة يسيطر علي، ولا أعرف أحقا أمي ماتت؟ أحقا أتصرف طبقا لما يقتضيه علي ذلك!؟ أحقا أعيش في حداد على - لا أمي فحسب - بل على حياتي الضائعة بفقدانها حتى لأبسط شيء من معانيها!؟

((هل أستطيع أن أحصرها بين ثنايا الكلمات؟ الأمر صعب جدا بالنسبة لأي بشر، وليس الأمر مبالغة، فلا يستطيع شخص في العالم أن يصف مرارة وحزن وغضب وعجز وضعف وألم الفقد .. وما أشد الفقد.))
ما أشد الفقد!؟

وجع .. ألم .. شقاء مستمر .. مرض .. فَقْد متكرر .. خيبات أمل ثقيلة لم تنتهي.

ليس ما ورد أعلاه سيرة مختصرة لحياة أمي، لا شيء يحصر أمي بين ثنايا الكلمات، أنا فاشل ككاتب بلا شك ولكن حتى أبرع أبرعكم لن يقدر على حصر أمي داخل نص مهما بلغت قدرته على توظيف الابتذال في انتاج الأدب، ولكني أردت أن اكتب عنها شيئا رغم ذلك .. أم تراني كنت أتحدث عن نفسي؟

أمي .. سامحيني ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق